Site icon الأحداث المغربية – Alahdat

مركبة التنقل الشخصي بمحرك: قراءة في ضوء المرسوم رقم 2.25.145 ومجموعة القانون الجنائي

الأحداث✍️الدكتورة نهاد أفقير أستاذة القانون الجنائي بجامعة الحسن الأول، سطات

 أفرز التطور المتسارع لوسائل التنقل الفردي الحديثة واقعاً جديداً على مستوى السلامة الطرقية، وأصبح استعمال مركبات التنقل الشخصي بمحرك، المعروفة في التداول العام بـ«التروتينيت أو الدراجات الكهربائية»، يطرح إشكالات قانونية متزايدة بالنظر إلى طبيعتها التقنية، وطريقة استعمالها، ومخاطرها المحتملة على السائقين والراجلين وباقي مستعملي الطريق. وأمام هذا الواقع، اتجه المشرع المغربي إلى إدماج هذه الفئة من المركبات ضمن المنظومة القانونية، بما يكرس انتقالاً من مرحلة غياب التأطير القانوني الخاص إلى مرحلة التنظيم الصريح لقواعد استعمالها وسيرها.

وفي هذا السياق، جاء المرسوم رقم 2.24.393 لتغيير وتتميم المرسوم رقم 2.10.421 المتعلق بتطبيق أحكام القانون رقم 52.05 بشأن المركبات، حيث أرسى تعريفاً قانونياً لمركبة التنقل الشخصي بمحرك وحدد خصائصها التقنية، قبل أن يستكمل الإطار التنظيمي بالمرسوم رقم 2.25.145 الصادر في 31 يوليوز 2026، والذي غيّر وتمم المرسوم رقم 2.10.420 المتعلق بقواعد السير على الطرق.

ويكتسي هذا المستجد أهمية خاصة من زاوية السياسة الجنائية، ليس لأن المرسوم أحدث جرائم جديدة بالمعنى التقني للكلمة، وإنما لأنه حدد مجموعة من الالتزامات القانونية التي يتعين على مستعملي هذه المركبات احترامها، والتي يمكن أن يشكل خرقها، بحسب طبيعة الفعل ونتيجته وتوافر عناصر الجريمة، أساساً للمساءلة الزجرية سواء في إطار نظام المخالفات المنصوص عليه في مدونة السير أو في إطار القواعد العامة لمجموعة القانون الجنائي.

ومن أبرز المقتضيات التي جاء بها المرسوم الجديد تحديد السرعة القصوى لمركبات التنقل الشخصي بمحرك في 25 كيلومتراً في الساعة، وإلزام مستعمليها باستعمال خوذة واقية مربوطة ومستوفية لشروط المصادقة، فضلاً عن تقييد سير هذه المركبات خارج التجمعات العمرانية، بحيث لا يسمح بذلك إلا في الحالات التي تتوفر فيها ممرات مخصصة لمستعملي الدراجات. كما شملت المقتضيات الجديدة منع استعمال السماعات أثناء السياقة بالنسبة إلى الفئات التي حددها النص، ومن ضمنها سائقي مركبات التنقل الشخصي بمحرك.

وتكتسي هذه الالتزامات أهمية تروم الحد من السلوكيات الخطرة التي قد تؤدي إلى وقوع حوادث، خصوصاً أن طبيعة هذه المركبات تجعل مستعملها أكثر تعرضاً للإصابة في حالة الاصطدام أو السقوط. غير أن الإشكال الأكثر أهمية من الناحية الجنائية يبرز عندما يؤدي خرق قواعد السير المتعلقة بمركبات التنقل الشخصي بمحرك إلى نتيجة ضارة، كإصابة أحد مستعملي الطريق أو التسبب في وفاته. وهنا تتدخل القواعد العامة لمجموعة القانون الجنائي، وفي هذا الإطار، جاء منطوق الفصل 432 من مجموعة القانون الجنائي بمعاقبة من ارتكب بعدم تبصره أو عدم احتياطه أو عدم انتباهه أو إهماله أو عدم مراعاته للنظم أو القوانين قتلا غير عمدي، وبالتالي، فإذا تسبب مستعمل مركبة للتنقل الشخصي بمحرك، نتيجة سلوكه غير الحذر أو مخالفته لقواعد السير في وفاة شخص، فإن المسألة قد تتجاوز نطاق المخالفة المرورية إلى نطاق القتل غير العمد متى توافرت العناصر التكوينية للجريمة. كما يعاقب  الفصل 433 من مجموعة القانون الجنائي عن الجرح أو الإصابة أو المرض الناتج عن عدم التبصر أو عدم الاحتياط أو عدم الانتباه أو الإهمال أو عدم مراعاة النظم والقوانين، عندما يترتب عن ذلك عجز عن تزيد مدته على ستة أيام بعقوبة الحبس من شهر واحد إلى سنتين و غرامة من 200 إلى 500 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين. كما أن الفصل 434 يشدد العقوبات المقررة في الفصلين السابقين في الحالات التي حددها، ومنها ارتكاب الجنحة في حالة سكر أو محاولة التخلص من المسؤولية الجنائية أو المدنية بالفرار عقب وقوع الحادث أو تغيير حالة مكان الجريمة أو بأية وسيلة أخرى.

وتجدر الإشارة، أنه في اطار الجزاء الجنائي نجد مدونة السير أيضا صنفت المخالفات إلى درجات مختلفة، حيث تنص المادة 184 على الغرامة المقررة للمخالفات من الدرجة الأولى، والمادة 185 على العقوبات المتعلقة بالمخالفات من الدرجة الثانية، في حين تحدد المادة 186 نظام المخالفات من الدرجة الثالثة. ومن تم، فإن تحديد الجزاء لا ينبغي أن يتم بمعزل عن طبيعة السلوك المرتكب، ومقتضى النص الذي تم خرقه، ومدى انطباق التصنيف الزجري المقرر في مدونة السير عليه.

وتكشف هذه المقتضيات عن تداخل واضح بين قانون السير والقانون الجنائي ؛ فالأول يحدد قواعد السلوك الواجب احترامها أثناء استعمال الطريق، بينما يتدخل الثاني عندما يؤدي الإخلال بهذه القواعد إلى نتائج إجرامية تتوافر فيها العناصر التكوينية المنصوص عليها قانوناً.

ومن تم، فإن العلاقة بين المرسوم رقم 2.25.145 ومجموعة القانون الجنائي لا ينبغي فهمها على أساس أن المرسوم استحدث منظومة جنائية مستقلة خاصة بمركبة التنقل الشخصي بمحرك، وإنما باعتبار أن القواعد التنظيمية الجديدة أصبحت جزءاً من الإطار القانوني الذي يتعين احترامه، وأن خرقها قد تكون له آثار زجرية متفاوتة بحسب طبيعة المخالفة وبحسب النتيجة المترتبة عنها وظروف وقوعها، وسلوك السائق، والسرعة التي كان يسير بها، ومدى احترامه لقانون السير.فالمستجد المرتبط بمركبات التنقل الشخصي بمحرك يعكس، في نهاية المطاف، قدرة السياسة الجنائية والمرورية على مواكبة التحولات التكنولوجية والاجتماعية. فالقانون لا يمكن أن يظل بمنأى عن وسائل التنقل الجديدة التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، كما أن حماية الحق في السلامة الجسدية تقتضي أن تواكب القواعد القانونية تطور المخاطر المرتبطة بهذه الوسائل.

وعليه، فإن المرسوم رقم 2.25.145 يشكل خطوة مهمة في اتجاه تأطير استعمال مركبات التنقل الشخصي بمحرك، غير أن فعالية هذا التأطير لا تقاس فقط بمدى احترام قواعد السرعة والخوذة ومجال السير، وإنما أيضاً بمدى قدرة المنظومة القانونية على تحقيق التوازن بين حرية التنقل من جهة، وحماية حياة وسلامة مستعملي الطريق من جهة أخرى.

وفي هذا الإطار، تظل مجموعة القانون الجنائي حاضرة باعتبارها وسيلة لتحقيق الردع وحماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية بما يجعل احترام قواعد السير الجديدة ليس مجرد التزام تنظيمي، وإنما أحد عناصر الوقاية من قيام المسؤولية الجنائية عند تحقق النتائج التي يجرمها القانون.

وفي الختام، فإن دخول المرسوم رقم 2.25.145 حيز التنفيذ بعد مرور ستة أشهر من تاريخ نشره من شأنه أن يشكل محطة مهمة في تأطير استعمال مركبات التنقل الشخصي بمحرك، ولا سيما من خلال تكريس مجموعة من القواعد المرتبطة بالسلامة واحترام شروط الاستعمال.ومن تم، فإن مركبات التنقل الشخصي بمحرك يؤسس لثلاثية متكاملة: الوقاية قبل وقوع الضرر، والردع عند ثبوت المخالفة، والمسؤولية الجنائية عند تحقق الجريمة؛ وهي مقاربة تجعل من السلامة الطرقية مصلحة قانونية جديرة بالحماية، وتفرض في الوقت ذاته مواصلة تطوير المنظومة الزجرية بما يتلاءم مع متطلبات السلامة الطرقية.

 

 

 

Exit mobile version