الأحداث✍️عبد الصادق
هناك مناطق تجبرك، بلمحة واحدة، على إدراك الأزمة العميق لنموذجنا التنموي. “ولاد سلمان” بإقليم آسفي هي إحدى هذه المناطق؛ اختزال حيّ لمفارقة صارخة بين ثروة تُصنع على أرضها، وحياة متوقفة عند حدود الانتظار.
تضم هذه الجماعة عماداً اقتصادياً وثقيلاً: محطة حرارية، وميناء معدنياً، ونشاطاً صناعاتیًا يضخ الملايير في شرايين الاقتصاد. لكن على الجانب الآخر من سور هذه المنشآت، يمتد واقع محلي يتساءل قاطنوه: كيف يتحول جوار الثروة إلى عزلة تنموية؟ وكيف تعيش المنطقة في قلب الحركة الاقتصادية، بينما يبقى عائد هذه الحركة غائباً عن تفاصيل الحياة اليومية للساكنة؟
هنا يسقط الطرح الاستهلاكي، ويتحول السؤال إلى استحقاق سياسي ومواطني بامتياز: من يملك سلطة توجيه ثمار التنمية؟ من يحدد الأولويات ومن يمارس رقابة الأثر؟ وأهم من ذلك كله: من يحاسب من؟
فالمواطن لا يُعنى بأرقام الاستثمارات الصماء، ولا بصفحات الترويج الإعلامي. المعيار الميداني الوحيد لديه هو: الطريق المعبدة، والمستوصف المجهز، ووسيلة النقل الكريمة، وفرصة العمل المستقرة، والبيئة النظيفة.
المنشآت الكبرى التي لا ينعكس وجودها إيجابياً على محيطها، تتحول تلقائياً في وجدان الناس من فرص تنموية إلى أعباء ومكاره مجالية.
إن بقاء المشاريع الكبرى في طرف، واستمرار المواطن في البحث عن أدنى حقوقه العادية في الطرف الآخر، يمثل خللاً هيكلياً لم يعد ممكناً تغطيته بالصمت.
– لماذا لا تدفع “ولاد سلمان” فاتورة التنمية وتُحرم من عوائدها؟
– أين هي الاستراتيجيات الواضحة لإدماج أبناء المنطقة في هذا النسيج الاقتصادي الضخم؟
/ كم عدد الوظائف القارة والحقيقية التي حُصصت لأبناء الجماعة داخل هذه المنشآت مقارنة بالفرص الهامشية أو المؤقتة؟
– ما هو المردود المالي والتنموي المباشر الذي تستفيده ؟
الميزانية المحلية للجماعة مقابل استضافة هذه الأنشطة المينائية والصناعية ذات الأثر العالي؟
المطالبة بهذه الإجابات ليست اتهاماً لأي طرف، بل هي ممارسة للحد الأدنى من مبدأ الشفافية وحق الحصول على المعلومة. فالإدارة الترابية، والمال العام، والمسؤولية المجتمعية للشركات، يجب أن تخضع لنقاش علني يُنير الرأي العام، بدلاً من إبقائها داخل المناطق الرمادية.
وعلى القاطرة ذاتها، يبرز التحدي البيئي بصفته ملفاً غير قابل للتأجيل. في بيئة تحتضن أنشطة طاقية ومينائية مكثفة، من الحتمية بمكان نشر نتائج المراقبة البيئية الدورية للعموم. ما هي طبيعة الإجراءات المتخذة لحماية الهواء والتربة والمياه الجوفية؟ ومن هي الجهات الضامنة لتطبيق المعايير القانونية بصرامة؟
لقد حان الوقت للانتقال من منطق “لغة الأرقام الكبيرة” و”الشعارات الإستراتيجية” إلى لغة الأثر الملموس:
أبرزوا بالأرقام والوقائع ماذا استفادت “ولاد سلمان”.
ليس عبر البلاغات الرسمية ولا الصور البروتوكولية، بل في واقع الناس المعيش. فالمواطن الذي لا يصله من المنشآت المجاورة سوى الغبار والضجيج، ومنطق الانتظار، يملك كل المشروعية ليقاضي هذا الواقع بالأسئلة.
هذه ليست خصومة مع الاستثمار، بل دفاع عن استثمار متوازن وذي بعد اجتماعي عادل. والمطلوب اليوم ليس صياغة وعود جديدة، بل الكشف عن المعطيات: نشر التقرير التقييمي لفرص الشغل، إعلان خريطة مساهمات الشركات، وتقييم الأثر البيئي والاجتماعي بشفافية كاملة.
إن أشد ما يهدد التنمية ليس القفر أو شح الموارد، بل أن تفيض الأرض بالثروات والمنشآت، ويُحرم محيطها الاجتماعي من ثمارها.
وهذه بالتحديد هي قضية “ولاد سلمان”.
المشاريع قائمة، والثروة معلنة.. فمتى تصل التنمية إلى الإنسان؟

