كوتونو – خاص
على هامش انعقاد اللقاءات السـينمائية والرقمية بكوتونو (RECICO)، التـقت « الأحداث » السيد عز الدين كريران، رئيس لجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة، للحديث عن الحضور المغربي في هذه التظاهرة، ودور السينما في تعزيز التقارب بين المغرب وبلدان القارة الأفريقية، فضلاً عن آفاق التعاون السينمائي في مجالات الإنتاج المشترك والتكوين وتوزيع الأفلام.
كيف تقرؤون الحضور المغربي في اللقاءات السينمائية والرقمية بكوتونو، وما الذي يمكن أن يضيفه إلى حضور السينما المغربية داخل القارة؟
عز الدين كريران:
الحضور المغربي في كوتونو يحمل، في تقديري، دلالة تتجاوز المشاركة في تظاهرة سينمائية. فنحن أمام حضور يجمع بين البعد الثقافي والمهني والمؤسساتي، خصوصاً مع حضور سفير المملكة المغربية لدى البنين، إلى جانب ممثل المركز السينمائي المغربي والمهنيين والفنانين.
وهذا الحضور يؤكد أن الثقافة والسينما أصبحتا جزءاً مهماً من مسار التقارب بين الشعوب. فالسينما ليست مجرد صناعة فنية، وإنما هي أيضاً لغة للحوار، ووسيلة للتعارف، وأداة من أدوات الدبلوماسية الثقافية.
وحضور السفير المغربي يمنح هذه المناسبة بعداً إنسانياً ودبلوماسياً، لأنه يعكس عمق العلاقات بين المغرب والبنين، وهي علاقات لا تقتصر على المؤسسات، وإنما تشمل أيضاً الشعوب والثقافات والتاريخ.
كما أن حضور المركز السينمائي المغربي مهم جداً، لأنه يفتح المجال أمام التواصل المباشر بين المهنيين والهياكل والمؤسسات، ويساهم في التعريف بالتجربة السينمائية المغربية داخل الفضاء الأفريقي.
لكنني أعتقد أن المطلوب اليوم هو الذهاب أبعد من مجرد مواكبة السينما. علينا أن نمنحها المجال للتداول والإبداع والتعاون، وأن نجعل منها جسراً حقيقياً بين الشعوب.
أنتم تترأسون لجنة تحكيم الأفلام الروائية الطويلة. كيف تلمسون تفاعل الجمهور والمهنيين مع الأفلام المغربية المشاركة..؟
عز الدين كريران:
من موقعي كرئيس للجنة التحكيم، أحرص طبعاً على استقلالية التقييم الفني. نحن لا نحكم على بلدان أو جنسيات، وإنما نقيم أفلاماً وأعمالاً فنية من حيث الكتابة والرؤية والإبداع والقدرة على التعبير.
لكن الفيلم، بمجرد خروجه من سياقه الأصلي وعرضه أمام جمهور جديد، يبدأ حياة أخرى. وهذا ما يحدث في كوتونو.
الجمهور البنيني لا يرى فقط فيلماً مغربياً، بل يمكن أن يجد داخله شيئاً من ذاته، أو يكتشف من خلاله تجربة مختلفة تثير لديه أسئلة جديدة. وهذه إحدى أعظم قدرات السينما: أن تخلق الإحساس بالقرب رغم الاختلاف.
القارة الأفريقية غنية بتعدد لغاتها وثقافاتها وتواريخها وحساسياتها. ولذلك لا أعتقد أن المطلوب هو إنتاج سينما أفريقية متشابهة، بل بناء حوار سينمائي يقوم على التنوع، ويحول هذا التنوع إلى مصدر قوة.
هل ترون أن الحضور المغربي في كوتونو يمكن أن يشكل منطلقاً لتعاون سينمائي مستدام مع البنين وباقي البلدان الأفريقية؟
عز الدين كريران:
هذا هو الرهان الأساسي. علينا أن ننتقل من اللقاء العابر إلى بناء تعاون حقيقي ومستدام.
يمكن لمثل هذه المناسبات أن تفتح الباب أمام مشاريع مشتركة في مجالات الإنتاج المشترك، وإقامات الكتابة، وتكوين الشباب، وتبادل الخبرات والتقنيين والفنانين، إضافة إلى توزيع الأفلام وتنظيم لقاءات تجمع المنتجين والمخرجين والموزعين.
المغرب يتوفر على تجربة مهمة في المجال السينمائي، والبنين بدورها تتوفر على طاقات شابة ودينامية ثقافية وإبداعية مهمة. لذلك أرى أن هناك إمكانية كبيرة لبناء شراكات قائمة على التكامل وتبادل الخبرات.
نحن في حاجة إلى الانتقال من «التقاط صورة جماعية» إلى إنتاج مشاريع جماعية حقيقية.
ما الدور الذي يمكن أن تلعبه المهرجانات في هذا المسار؟
عز الدين كريران:
المهرجان في اعتقادي لم يعد مجرد فضاء لعرض الأفلام ومنح الجوائز. يمكن أن يكون منصة للإنتاج والتكوين والتعاون وبناء العلاقات المهنية.
وبصفتي رئيساً للاتحاد الفيدرالي للسينمائيين الأفارقة، أؤمن بأن المهرجانات مطالبة بأن تكون فضاءات لربط الشبكات بين المهنيين الأفارقة، وأن تساهم في خلق فرص حقيقية أمام المخرجين والمنتجين الشباب.
يمكن للمهرجان أن يكون نقطة انطلاق لفيلم مشترك، أو إقامة للكتاب والمخرجين، أو برنامج للتكوين، أو شراكة بين موزعين من بلدان مختلفة.
وهذا ما نحتاج إليه اليوم: أن تتحول المهرجانات من محطات منفصلة إلى حلقات مترابطة داخل فضاء سينمائي أفريقي واحد.
ترددون في إطار الاتحاد الفيدرالي للسينمائيين الأفارقة شعار «السينما والسمعي البصري في أفريقيا أولاً، ثم الشتات بعد ذلك». ماذا يعني هذا الشعار بالنسبة إليكم؟
عز الدين كريران:
هذا الشعار يعكس فلسفة واضحة: علينا أولاً أن نبني جمهورنا وسوقنا السينمائية داخل القارة.
قبل أن نطلب من العالم أن يشاهد أفلامنا، علينا أن نتعلم كيف ننظر إلى أنفسنا أولاً.
لدينا في أفريقيا تجارب سينمائية مهمة وطاقات إبداعية كبيرة، لكن إحدى الإشكالات التي نواجهها هي ضعف تداول الفيلم الأفريقي داخل القارة نفسها.
كيف يمكن لفيلم مغربي أن يصل بسهولة إلى جمهور في بنين أو السنغال أو كوت ديفوار؟ وكيف يمكن للفيلم البنيني أو السنغالي أن يصل إلى الجمهور المغربي؟
هذه الأسئلة يجب أن تكون في صلب النقاش حول مستقبل السينما الأفريقية. فبناء صناعة سينمائية قوية لا يرتبط فقط بالإنتاج، وإنما أيضاً بالتوزيع والتداول والوصول إلى الجمهور.
ما الرسالة التي تحملونها من كوتونو إلى السينمائيين والمهنيين الأفارقة؟
عز الدين كريران:
رسالتي هي أن علينا أن نؤمن أكثر بقدرتنا على بناء فضائنا السينمائي بأنفسنا.
مثل هذه اللقاءات، التي تجمع المغرب والبنين وباقي الفاعلين الأفارقة، ليست غاية في حد ذاتها، وإنما فرصة لفتح مسارات جديدة للتعاون.
إذا استطعنا أن نحول الحوار إلى مشاريع، والمهرجانات إلى شبكات، والأفلام إلى جسور بين الجمهور، فإننا نكون قد قطعنا خطوة مهمة.
في النهاية، السينما ليست فقط فناً نعرضه ونشاهده، بل هي أيضاً وسيلة لبناء الذاكرة، وتعزيز الحوار، والتقريب بين الشعوب.
ولعل حضور الدبلوماسية المغربية، والمركز السينمائي المغربي، والمهنيين المغاربة والبنينيين، والفاعلين في السينما الأفريقية بكوتونو، يمثل خطوة صغيرة نحو طموح أكبر: أن تصبح السينما إحدى الأدوات التي نبني بها ذاكرتنا الأفريقية المشتركة، ونساهم من خلالها في صياغة مستقبلنا المشترك

