Site icon الأحداث المغربية – Alahdat

خرجات الفنانين على منصات التواصل… أين تنتهي العفوية وتبدأ المسؤولية؟

الاحداث✍️المهدي العلمي الإدريسي

الفن رسالة هادفة تبني ولا تهدم، لكن بعض الخرجات غير المحسوبة تفتح النقاش حول صورة الفنان ومسؤوليته تجاه جمهوره ؛ لطالما كان الفن رسالة هادفة، ووسيلة لبناء الوعي والارتقاء بالذوق العام وترسيخ قيم الجمال والإبداع. وكان الفنان، على امتداد عقود، يحرص على أن تكون صورته أمام الجمهور امتدادًا لقيمته الفنية، سواء فوق خشبة المسرح أو في وسائل الإعلام أو في الحياة العامة.

غير أن المشهد الفني اليوم يعرف تحولات متسارعة، فرضتها، من بين عوامل أخرى، الثورة الرقمية والانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي. ومع هذا التحول، برزت بعض الخرجات والمواقف التي تستحق الوقوف عندها وطرحها للنقاش، بعيدًا عن التجريح أو استهداف الأشخاص.

عندما تخرج بعض الممارسات عن السطر الفني

من الطبيعي أن تختلف أساليب الفنانين، وأن تتنوع أشكال التعبير، وأن يكون لكل فنان حضوره وشخصيته الخاصة. غير أن المتابع للمشهد الفني المغربي يلاحظ، من حين إلى آخر، بعض السلوكيات والتصريحات التي تبدو بعيدة عن روح الفن ورسالته.

ويبرز ذلك بشكل خاص في بعض الخرجات المرتبطة ببعض الفنانين في مجال الأغنية الشعبية، حيث أصبحت بعض التصريحات أو العبارات أو أساليب الاستعراض عبر منصات التواصل الاجتماعي تثير نقاشًا حول حدود المقبول في الخطاب الفني، وحول الصورة التي ينبغي أن يقدمها الفنان أمام جمهوره.

ولا يتعلق الأمر هنا بفن شعبي بعينه، فالأغنية الشعبية جزء أصيل من الثقافة المغربية، ولها جمهورها ومكانتها وتاريخها، وإنما يتعلق ببعض الممارسات الفردية التي لا ينبغي أن تُختزل فيها قيمة هذا الفن أو أن تُحسب عليه.

الفنان بين الحرية والمسؤولية

لا أحد يجادل في حق الفنان في حرية التعبير والإبداع، ولا في حقه في أن يكون مختلفًا أو جريئًا أو متجددًا. فالفن بطبيعته قائم على التنوع والاختلاف.

لكن الحرية، في المقابل، لا تلغي المسؤولية.

فالفنان الذي يتابعه آلاف أو ملايين الأشخاص يمتلك مساحة تأثير واسعة، وكل كلمة أو صورة أو سلوك يصدر عنه يمكن أن يتحول إلى مادة عامة خلال دقائق.

ومن هنا، فإن بعض الخرجات غير المحسوبة، أو العبارات التي قد تتجاوز حدود الذوق العام، أو مظاهر الاستعراض والتباهي، تستحق نقاشًا هادئًا ومسؤولًا، بعيدًا عن التشهير أو إصدار الأحكام على الأشخاص.

منصات التواصل غيرت قواعد اللعبة

في الماضي، كان الفنان يمر عبر قنوات محددة للوصول إلى الجمهور: المسرح، الإذاعة، التلفزيون والصحافة. أما اليوم، فقد أصبح بإمكانه أن يخاطب جمهوره مباشرة وفي أي وقت.

هذه النقلة الرقمية منحت الفنان حرية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه جعلت كل كلمة وصورة وتصرف قابلة للتوثيق والانتشار.

ولهذا، فإن ما قد يبدو بالنسبة للبعض مجرد لحظة عابرة أو مزحة أمام الكاميرا، يمكن أن يتحول إلى صورة دائمة عن الفنان في أذهان الجمهور.

فأين تنتهي العفوية وتبدأ المسؤولية؟

هل الشهرة تعني التخلي عن هيبة الفنان؟

الفنان ليس مطالبًا بأن يعيش خارج عصره، ولا بأن يتخلى عن شخصيته أو أسلوبه الخاص. كما أن الاختلاف في الأذواق والأساليب أمر طبيعي في الحياة الفنية.

لكن الشهرة لا تعني بالضرورة التخلي عن الوقار، والجرأة لا تعني الإساءة، والتواصل مع الجمهور لا يعني تجاوز حدود الاحترام.

فكلما اتسعت دائرة شهرة الفنان، ازدادت مسؤوليته عن الصورة التي يقدمها، خصوصًا عندما يكون بين متابعيه أطفال وشباب يتأثرون بما يشاهدونه ويسمعونه.

أين دور القطاع الوصي والهيئات المهنية؟

الحديث عن هذه الظواهر لا يعني الدعوة إلى الرقابة على الإبداع أو التضييق على الفنانين، وإنما يطرح سؤالًا حول دور المؤسسات والهيئات المهنية في مواكبة التحولات الجديدة التي يعرفها القطاع الفني.

فالمشهد يحتاج إلى مزيد من التأطير والحوار والتكوين، خصوصًا في ما يتعلق بالتواصل مع الجمهور واستعمال منصات التواصل الاجتماعي، والحفاظ على صورة الفنان واحترام الذوق العام.

كما أن الهيئات المهنية والجهات المعنية مطالبة، كل من موقعه، بالمساهمة في ترسيخ ثقافة مهنية تجعل من الحرية والإبداع والمسؤولية عناصر متكاملة، لا متعارضة.

لا نحاكم الفن الشعبي بسبب بعض الممارسات

ومن المهم التأكيد على أن أي نقاش حول بعض السلوكيات الفردية لا ينبغي أن يتحول إلى حكم على لون فني كامل.

فالفن الشعبي المغربي مكوّن أساسي من مكونات الذاكرة الثقافية والفنية للمغرب، وراكم عبر عقود أسماء وأعمالًا وجمهورًا واسعًا.

لذلك، فإن انتقاد بعض الممارسات لا يعني انتقاد الفن الشعبي، ولا التقليل من قيمته، وإنما هو دعوة إلى أن تظل الممارسة الفنية، مهما اختلفت أشكالها، مرتبطة بالاحترام والمسؤولية.

الفن رسالة قبل أن يكون شهرة

في النهاية، تبقى الشهرة مؤقتة، بينما الأثر الحقيقي للفنان هو ما يتركه من أعمال وقيم وذكريات جميلة لدى جمهوره.

وقد تتغير المنصات وتتطور وسائل التواصل، لكن جوهر الفن لا يتغير: إبداع، ورسالة، ومسؤولية.

ومن حق الفنان أن يكون حرًا في إبداعه، ومن حق الجمهور في المقابل أن ينتظر من الفنان خطابًا يليق بمكانته وتأثيره.

فالفن لا يحتاج إلى أن يفقد هيبته حتى يكون عصريًا، ولا يحتاج الفنان إلى التخلي عن احترامه لجمهوره حتى يكون حاضرًا ومؤثرًا.

الفن رسالة هادفة تبني ولا تهدم… والسؤال اليوم ليس من المخطئ ومن المصيب، وإنما: كيف نحافظ جميعًا على قيمة الفن وهيبة الفنان واحترام الجمهور؟

Exit mobile version