الأحداث✍️بقلم ياسين المصلوحي
لم تنتظر الانتخابات المغربية المقررة في 23 سبتمبر الجاري موعدها الرسمي حتى تبدأ المعركة. فالمشهد السياسي دخل، منذ وقت مبكر، مرحلة من التعبئة غير المسبوقة، وكأن الأحزاب تخوض سباقا ضد الزمن وضد بعضها البعض في آن واحد. لقاءات تواصلية، اجتماعات تنظيمية، تحركات ميدانية، ورسائل سياسية متبادلة، كلها تؤشر على أن هذه الانتخابات لن تكون مجرد محطة انتخابية عابرة، بل اختبارا حقيقيا لموازين القوى داخل المشهد السياسي المغربي.
لكن المفارقة الكبرى أن حرارة المعركة لم تأت هذه المرة من مواجهة تقليدية بين حكومة ومعارضة، وإنما من قلب الأغلبية نفسها. فالأحزاب التي يفترض أن يجمعها منطق التضامن الحكومي، أصبحت تتنافس بشراسة، بل وتتبادل الاتهامات وكأنها تقف على ضفتين متعارضتين. وهنا بالضبط تكمن المفارقة التي تستحق التوقف: كيف يمكن لحزب أن يكون شريكا في الحكومة، ثم يتعامل انتخابيا مع حصيلة الحكومة نفسها وكأنها مسؤولية طرف آخر؟
لقد ساهم التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة في إعادة خلط الأوراق داخل المشهد السياسي، وأعطى المنافسة الانتخابية بعدا جديدا. فالحزب الذي كان يتحرك في ظل معادلات انتخابية محددة وجد نفسه أمام فرصة حقيقية لتوسيع طموحه والمنافسة على الصدارة، الأمر الذي رفع منسوب التوتر بين مكونات الأغلبية وأعاد رسم خريطة التنافس.
ولا يمكن إنكار أن هذا الصراع أعاد السياسة إلى الشارع. فالمواطن الذي اعتاد، في كثير من الأحيان، النظر إلى الحملات الانتخابية باعتبارها موسما عابرا، وجد نفسه أمام نقاش سياسي أكثر حضورا وإثارة. لكن تنشيط النقاش العمومي لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتبرير كل شيء.
فالسياسة تفقد معناها عندما تتحول المنافسة إلى تبادل للاتهامات، وعندما يصبح الخصم السياسي هدفا للتجريح بدل أن يكون موضوعا للنقد، وعندما تتغير المواقف بتغير الحسابات الانتخابية. والأخطر من ذلك أن المواطن لم يعد يتلقى الخطاب السياسي باعتباره مجرد دعاية انتخابية؛ بل أصبح يقارن بين مواقف الأمس وتصريحات اليوم، ويتساءل: من كان مسؤولا عن القرارات التي يتم التنصل منها اليوم؟
المشكلة أن الانتخابات تنتهي، لكن آثار الخطاب الانتخابي تبقى. والأحزاب التي تتبادل الاتهامات اليوم قد تجد نفسها، غدا، أمام ضرورة التحالف لتشكيل الأغلبية. وهنا يصبح المواطن أمام مشهد سياسي مربك: خصوم الأمس يجلسون إلى الطاولة نفسها، ويتقاسمون المسؤولية نفسها، بعد أن أمضوا أسابيع في إقناع الناخب بأن الطرف الآخر هو أصل المشكلة.
لذلك، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في شراسة المنافسة، بل في أن تتحول الشراسة إلى إفلاس أخلاقي للخطاب السياسي. فالانتخابات ليست مباراة لتسجيل أكبر عدد من المقاعد، ولا مناسبة لتصفية الحسابات بين الأحزاب. إنها قبل كل شيء امتحان للثقة. وإذا كان من حق الأحزاب أن تتنافس، فمن واجبها أيضا أن تحافظ على الحد الأدنى من المصداقية السياسية.
وفي النهاية، قد تنجح الأحزاب في حصد الأصوات والمقاعد، لكنها قد تخسر ما هو أثمن: ثقة المواطن في السياسة نفسها. وهذه خسارة لا تعوضها أغلبية برلمانية، ويصعب أن ينقذها أي تحالف حكومي لاحق.

