Site icon الأحداث المغربية – Alahdat

حين تتشابه البرامج الانتخابية.. أين يكمن الإختلاف؟

الأحداث نت✍️المهدي العلمي الإدريسي

مع اقتراب الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، التي ستحدد ملامح الحكومة المغربية للفترة 2027–2031، تتجه المنافسة بين الأحزاب نحو تقديم برامجها للناخبين. غير أن قراءة هذه البرامج تكشف مفارقة لافتة: اختلاف في الشعارات والمرجعيات، وتقارب كبير في تشخيص المشكلات وتحديد الأولويات.

القدرة الشرائية، والتشغيل، والصحة، والتعليم، والدولة الاجتماعية، والشباب، والاستثمار، والعدالة المجالية، ومحاربة الفساد، والماء والطاقة والسيادة الاقتصادية، أصبحت جميعها تقريباً قواسم مشتركة بين الخطابات الحزبية.

فهل أصبحت الأحزاب متشابهة؟

ليس بالضرورة. لكن السؤال الذي ينبغي أن يحكم النقاش الانتخابي لم يعد فقط: ماذا سنفعل؟ وإنما: كيف سنفعل ذلك؟

المواطن يعرف مشكلاته جيداً

المواطن المغربي لا يحتاج إلى من يخبره بأن الأسعار مرتفعة، أو أن البطالة مشكلة، أو أن الصحة والتعليم يحتاجان إلى الإصلاح. إنه يعيش هذه القضايا يومياً.

هو يريد عملاً، ودخلاً يحفظ كرامته، ومدرسة جيدة، ومستشفى فعالاً، وسكناً مناسباً، وإدارة تحترم وقته، وحماية اجتماعية عندما يحتاج إليها.

ولهذا أصبحت الأحزاب، مهما اختلفت مرجعياتها، تتحدث تقريباً باللغة نفسها.

التجمع الوطني للأحرار يرفع شعار «كرامة وفرص للجميع»، والاستقلال يقدم «وطني.. مستقبلي»، والأصالة والمعاصرة يركز على النمو والقدرة الشرائية وإدماج الشباب والخدمات والأمن الاستراتيجي، بينما يركز الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية على العدالة الاجتماعية والتنمية والدولة الاجتماعية، ويؤكد العدالة والتنمية على الواقعية وقابلية التنفيذ والتقييم والمحاسبة.

هذا التقارب ليس بالضرورة ضعفاً سياسياً؛ فقد يكون انعكاساً لتحول المطالب الاجتماعية إلى أجندة وطنية مشتركة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتشابه البرامج في الأهداف ولا تقدم اختلافاً واضحاً في الوسائل.

القدرة الشرائية: الجميع يريد حمايتها، لكن كيف؟

تكاد القدرة الشرائية تكون العنوان الانتخابي الأبرز.

لكن حماية الدخل ليست شعاراً، بل سياسة مالية واقتصادية لها كلفة.

هل الحل في رفع الأجور؟ أم الدعم المباشر؟ أم تخفيض الضرائب؟ أم مراقبة الأسواق ومحاربة الاحتكار؟ أم زيادة الإنتاج والمنافسة؟

كل خيار له كلفة وآثار مختلفة.

لذلك فإن البرنامج الأكثر إقناعاً ليس من يقول «سنحمي القدرة الشرائية»، وإنما من يشرح كيف، وبأي موارد، وفي أي آجال.

التشغيل: المشكلة ليست في الوعد بل في النموذج الاقتصادي

الجميع يريد خفض البطالة، والجميع يريد تشغيل الشباب.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: أي اقتصاد سيخلق الوظائف؟

الصناعة؟ السياحة؟ الفلاحة؟ الخدمات؟ الاقتصاد الرقمي؟ الذكاء الاصطناعي؟ المقاولات الصغيرة والمتوسطة؟

والأهم: هل ستكون الوظائف مستقرة ولائقة، أم مجرد أرقام مؤقتة؟

لقد جعلت الحكومة الحالية خلق مليون منصب شغل صافٍ أحد أبرز التزاماتها، ولذلك ستكون الحكومة المقبلة مطالبة بأكثر من إعلان هدف جديد؛ ستكون مطالبة بتقديم نموذج اقتصادي واضح يربط النمو بالتشغيل.

الدولة الاجتماعية: ليست فقط دعماً

أصبحت الدولة الاجتماعية أرضية مشتركة بين مختلف الأحزاب.

لكن الدولة الاجتماعية ليست مجرد تحويلات مالية أو برامج دعم. إنها أيضاً مدرسة جيدة، ومستشفى فعال، وحماية اجتماعية مستدامة، وتقاعد يحفظ الكرامة، وخدمات عمومية متاحة للجميع.

السؤال إذن ليس: كم ستنفق الدولة؟

بل: ماذا سيحصل المواطن مقابل هذا الإنفاق؟

فالسياسة الاجتماعية تقاس في النهاية بما يراه المواطن في حياته اليومية.

الصحة والتعليم: من الإصلاح إلى النتيجة

الجميع يريد إصلاح الصحة والتعليم.

لكن المواطن لا يحتاج إلى تشخيص جديد، بل إلى نتائج.

يريد طبيباً في الوقت المناسب، ومستشفى يحترم كرامته، ومدرسة تمنح أبناءه تعليماً جيداً، وفوارق أقل بين المدينة والقرية.

وهنا سيكون التحدي الحقيقي أمام الحكومة المقبلة هو الانتقال من إصلاح النصوص والمؤسسات إلى تحسين الخدمة العمومية.

الاستثمار: ماذا نعطي للمقاولة وماذا نطلب منها؟

لا يختلف أحد تقريباً حول أهمية الاستثمار والقطاع الخاص.

لكن التحفيزات العمومية يجب أن ترتبط بنتائج واضحة.

إذا حصلت المقاولة على دعم أو إعفاءات، فمن المشروع أن يسألها المجتمع: كم وظيفة خلقت؟ كم قيمة مضافة أنتجت؟ وما مساهمتها في الاقتصاد الوطني؟

المطلوب ليس دولة تعادي المقاولة، ولا سوقاً يترك كل شيء لمنطق الربح، وإنما شراكة تقوم على المسؤولية المتبادلة.

الشباب والماء والسيادة

الشباب ليس مجرد فئة انتخابية، بل هو مستقبل الاقتصاد والمجتمع.

ولهذا لا يكفي دعم الشباب؛ المطلوب هو بناء اقتصاد يمنحه فرصة حقيقية للاندماج والإنتاج والابتكار.

وفي المقابل، يفرض الماء نفسه كأحد أهم تحديات المرحلة المقبلة. فندرة الموارد المائية ستؤثر في الفلاحة والصناعة والسياحة والمدن والاستثمار، بينما أصبحت الطاقة والغذاء والدواء جزءاً من مفهوم أوسع للسيادة الاقتصادية.

وبالتالي لن تكون حكومة 2027–2031 مطالبة فقط بتحقيق النمو، وإنما بتحقيق نمو مستدام وقادر على الصمود أمام ندرة الموارد والتحولات الدولية.

أين يكمن الاختلاف؟

بعد كل ذلك، يبدو أن الأحزاب تتفق على الوجهة، لكن عليها أن تقنع الناخب بأنها تملك خريطة مختلفة للوصول إليها.

الجميع يريد التشغيل، لكن الاختلاف يجب أن يكون حول النموذج الاقتصادي.

الجميع يريد حماية القدرة الشرائية، لكن الاختلاف في الأدوات.

الجميع يريد الدولة الاجتماعية، لكن الاختلاف في نموذجها وتمويلها.

الجميع يريد الاستثمار، لكن الاختلاف في شروط التحفيز وربطها بالنتائج.

والجميع يتحدث عن محاربة الفساد، لكن الاختلاف الحقيقي يجب أن يظهر في الآليات والمؤسسات.

وهنا ينبغي أن ينتقل النقاش من لغة الوعود إلى لغة الأرقام.

كم سيكلف البرنامج؟

كيف سيمول؟

ما الذي سينفذ في السنة الأولى؟

ما الذي يحتاج إلى خمس سنوات؟

وما المؤشرات التي سيتم على أساسها تقييم الحكومة؟

الخلاصة

الانتخابات المقبلة لا تحتاج إلى أحزاب تعيد اكتشاف مشكلات المغرب، فالمواطن يعرفها جيداً.

ما يحتاجه هو أحزاب تقدم حلولاً قابلة للتنفيذ والتمويل والقياس.

فالبرنامج الانتخابي ليس قائمة أمنيات، وإنما ينبغي أن يكون عقداً سياسياً بين الحزب والناخب.

فإذا كانت الأحزاب متفقة تقريباً على الوجهة، فإن المعركة الحقيقية ستكون حول من يملك الخريطة الأفضل للوصول إلى مغرب أكثر عدلاً وازدهاراً وقدرة على حماية مواطنيه.

Exit mobile version