قبل استحقاقات شتنبر : السياسيون يحسمون المواقع.. والناخب لم يقل كلمته بعد. - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
السبت, أغسطس 29, 2026
سياسة

قبل استحقاقات شتنبر : السياسيون يحسمون المواقع.. والناخب لم يقل كلمته بعد.

الأحداث : المهدي العلمي الإدريسي

في كل محطة سياسية وانتخابية، تسبق موعد الاقتراع مفاجآت ومواقف وخطابات تكشف، إلى حد كبير، طبيعة الفاعلين السياسيين وحقيقة مواقفهم. غير أن ما يجري اليوم، في سياق الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقررة في شتنبر 2026، يبدو لافتاً بشكل خاص، بالنظر إلى حجم الصراع المبكر حول المواقع والمناصب، قبل أن يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع.

فبدل أن ينصب النقاش، في هذه المرحلة، على البرامج والأفكار والحلول التي تقترحها الأحزاب لمعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل المواطنين، تطغى في بعض الخرجات والتصريحات لغة الصراع حول المواقع، وتحديداً حول من سيقود الحكومة المقبلة ومن سيحتل المواقع المؤثرة داخل المشهد السياسي.

ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تنافس طبيعي بين أحزاب تسعى إلى الوصول إلى السلطة أو الحفاظ عليها، فهذا جزء أصيل من العملية الديمقراطية. الإشكال يبدأ عندما يتحول التنافس السياسي من صراع حول المشاريع والبرامج إلى صراع شخصي على المناصب، وعندما يصبح الوصول إلى المسؤولية غاية في حد ذاته بدل أن يكون وسيلة لخدمة المواطنين وتنفيذ اختيارات سياسية واضحة.

إن المتابع لبعض المواقف والخطابات التي خرجت إلى العلن قبل موعد الاستحقاق الانتخابي قد يتساءل: هل نحن أمام تنافس انتخابي حول مستقبل البلاد، أم أمام سباق مبكر لتوزيع المناصب قبل معرفة نتائج الانتخابات أصلاً؟

السؤال مشروع، خصوصاً أن الناخب هو صاحب الكلمة الفصل في تحديد موازين القوى. فمن غير المنطقي أن تنشغل النخب السياسية منذ الآن بمن سيقود الحكومة المقبلة، في وقت لم يقل المواطنون بعد كلمتهم عبر صناديق الاقتراع.

والأخطر من ذلك أن مثل هذه الممارسات قد تعزز لدى جزء من المواطنين الشعور بأن السياسة لا تدور حول تحسين أوضاعهم بقدر ما تدور حول صراع النخب على مواقع النفوذ. وهذا الانطباع، إن ترسخ، قد تكون له نتائج سلبية على المشاركة السياسية، وقد يدفع بعض الناخبين إلى العزوف عن التصويت، بعدما يفقدون الثقة في جدوى العملية الانتخابية وفي قدرة الأحزاب على تقديم بدائل حقيقية.

لكن هل يعني ذلك بالضرورة أن هذه الخرجات ستؤدي إلى عزوف انتخابي واسع؟

الجواب ليس بسيطاً. فالعزوف الانتخابي ظاهرة مركبة، ولا ترتبط بعامل واحد. هناك أسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، كما أن مستوى المشاركة يتأثر بدرجة ثقة المواطنين في المؤسسات، وبمدى اقتناعهم بأن أصواتهم قادرة على إحداث تغيير حقيقي.

ومع ذلك، فإن سلوك الأحزاب وقادتها يظل عاملاً مهماً في تشكيل هذه الثقة. فكلما شعر المواطن بأن الأحزاب تتنافس حول قضايا تهمه، وتقدم برامج قابلة للنقاش والمحاسبة، زادت فرص انخراطه في العملية الانتخابية. أما عندما يطغى صراع الأشخاص والمناصب، فإن السياسة تفقد جزءاً من جاذبيتها لدى الناخب، ويصبح السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي سيتغير بالنسبة إليّ، أياً كان الفائز؟

من جهة أخرى، قد يرى البعض أن ما يحدث أمر طبيعي في سياق التنافس بين الأحزاب التي تطمح إلى رئاسة الحكومة المقبلة، وأن التصريحات والمواقف المتبادلة ليست سوى جزء من لعبة سياسية عادية، بل إن التنافس على القيادة يمكن أن يكون مؤشراً على حيوية الحياة الحزبية.

وهذا صحيح إلى حد ما. فالديمقراطية لا تقوم على غياب الصراع، وإنما على تنظيمه وتحويله إلى تنافس مشروع حول البرامج والأفكار والاختيارات. ومن الطبيعي أن تسعى الأحزاب إلى تقديم نفسها باعتبارها الأقدر على قيادة الحكومة المقبلة. لكن الفرق كبير بين التنافس السياسي المشروع وبين تحويل الاستحقاق الانتخابي إلى معركة مبكرة حول الكراسي.

الناخب المغربي، اليوم، يحتاج إلى ما هو أكثر من الشعارات. يحتاج إلى معرفة موقف الأحزاب من التشغيل، والتعليم، والصحة، والقدرة الشرائية، والسكن، والاستثمار، ومحاربة الفساد، وتحسين الخدمات العمومية، وغيرها من القضايا التي تؤثر بشكل مباشر في حياته اليومية.

لذلك، فإن المرحلة المقبلة تفرض على القيادات السياسية أن تعيد ترتيب أولوياتها. فالانتخابات ليست مجرد سباق للوصول إلى السلطة، وإنما هي تعاقد سياسي وأخلاقي مع الناخبين. ومن يطلب ثقة المواطنين عليه أن يقنعهم أولاً بأنه يملك مشروعاً يستحق هذه الثقة.

أما الصراع المبكر حول المناصب، فقد يمنح بعض السياسيين حضوراً إعلامياً مؤقتاً، لكنه قد يكشف في الوقت نفسه عن معدنهم السياسي، وعن نظرتهم إلى المسؤولية العامة: هل هي تكليف لخدمة المجتمع، أم امتياز وموقع للنفوذ؟

في النهاية، تبقى صناديق الاقتراع هي الحكم. وحده المواطن من يملك حق تحديد من يستحق قيادة المرحلة المقبلة. ولذلك، سيكون من الأفضل للأحزاب المتنافسة على رئاسة الحكومة أن تترك للمواطن فرصة الاختيار، وأن تجعل من البرامج والكفاءة والقدرة على الإنجاز أساساً للتنافس، بدل الدخول في معارك مبكرة حول من سيجلس على الكرسي قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: