Site icon الأحداث المغربية – Alahdat

قضايا راهنة للنقاش…الفرق بين رجل الدولة ورجل السياسة …

الأحداث✍️منير الشرقي
في السياق المغربي، الفرق بين رجل الدولة ورجل السياسة ليس مجرد فرق في الموقع أو في الانتماء الحزبي، بل هو فرق في منظومة القيم، ونظرة الإنسان إلى السلطة، ومفهومه للمصلحة العامة.
رجل السياسة
رجل السياسة يتحرك، في الغالب، داخل منطق التنافس السياسي: الانتخابات، الأحزاب، البرامج، التحالفات، تدبير موازين القوى، وكسب ثقة الناخبين. وهو ضروري للحياة الديمقراطية، لأن السياسة لا تستقيم من دون التعدد والتنافس والمساءلة.

لكن رجل السياسة قد ينظر أحياناً إلى الزمن بمنطق الاستحقاق الانتخابي: ماذا سيحقق اليوم؟ كيف سيحافظ على شعبيته؟ كيف ينجح في الانتخابات المقبلة؟

أما رجل الدولة
فرجل الدولة يتجاوز الحساب السياسي الآني إلى الأفق الاستراتيجي للدولة. إنه يفكر في ما يبقى بعد انتهاء الولاية الحكومية أو الحزبية، وفي ما يخدم المغرب بعد عشرين أو ثلاثين سنة.

رجل الدولة لا يسأل فقط: «ماذا يريد الناس اليوم؟»، بل يسأل أيضاً: «ماذا يحتاج الوطن غداً؟»

ومن هنا، فإن رجل الدولة قد يتخذ أحياناً قرارات صعبة في لحظتها، لكنه يراها ضرورية للمصلحة الوطنية بعيدة المدى. كما أنه يضع استمرارية الدولة فوق استمرارية الأشخاص، والمصلحة العامة فوق المصلحة الحزبية، والوطن فوق الحساب الانتخابي.

في السياق المغربي تحديداً
تكتسب هذه الثنائية خصوصية مهمة، لأن الدولة المغربية تقوم على استمرارية تاريخية ومؤسساتية عميقة، وعلى مركزية المؤسسة الملكية في النظام السياسي. لذلك فإن رجل الدولة المغربي، بالمعنى الرفيع، هو من يستطيع أن يجمع بين الوفاء للثوابت الوطنية، والإيمان بالمؤسسات، والقدرة على الإصلاح والتحديث، دون أن يحول السياسة إلى صراع دائم حول المواقع.

ولهذا يمكن القول إن عبد الرحمان اليوسفي، مثلاً، لم تكن قيمته التاريخية في كونه رجل حزب وحكومة فقط، بل في أنه استطاع في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب أن ينتقل من منطق المعارضة إلى منطق المسؤولية الوطنية؛ أي أن يضع تجربة المعارضة السياسية داخل أفق الدولة والمصلحة الوطنية.

والخلاصة الأعمق
رجل السياسة يسعى إلى الوصول إلى السلطة؛ أما رجل الدولة فيسعى إلى أن تكون السلطة في خدمة الدولة والمجتمع.

رجل السياسة يفكر في الانتخابات؛ رجل الدولة يفكر في الأجيال.

رجل السياسة قد يسأل: كيف أربح المعركة؟ أما رجل الدولة فيسأل: كيف يخرج الوطن منها أقوى وأكثر تماسكاً؟

والفارق الجوهري أن رجل السياسة يملك مشروعاً سياسياً، بينما رجل الدولة يحمل تصوراً لمصير الوطن.

وفي المغرب، ربما تكون أرقى صورة لرجل الدولة هي ذلك الذي يستطيع أن يكون سياسياً في أدواته، وطنياً في بوصلته، مؤسساتياً في ممارسته، واستراتيجياً في نظرته إلى المستقبل.

Exit mobile version