
الأحداث Alahdat.net
بقلم محمد اعويفية
أوجعتني كثيرا المنشورات الحزينة و التغريدات المؤامة لأحد الأصدقاء بــعد أن دق جـرس نهـايته المهـنية، و غادر مكتبه، ومؤسسته، وكــل أدواره فـي النقابة و الجـمعيات، تخلى عن رباطة عنــقه و هـندامه الأنيق ،و حـمل معه سنوات طويلة من التعب والانضباط والمسؤولية. آنذاك ولمكانته الإعتبارية أقيم له حفل تكريم و قدمت له الهدايا وقيل له ألف مبروك التقاعد، كان الأمر عندها كأنه مجرد انتقال إداري من مرحلة إلى أخرى، بينما هو شيء آخر مختلف تماما؛ يخفي سؤالا أكثر وجعا مما أشعره أنا الآن،ولم يجرؤ هو على طرحه: وماذا بعد؟
التقاعد فــي حــد ذاته ليـس المـشكلة، فــالتوقف عن العمل بــعد سنـوات من العــطاء حق طبيعي، بـل قد يكون فرصة للراحة واستعــادة ما سرقته ســنوات العمل مـن الإنسان. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التقاعد في نظر المجتمع إلى نهاية لدور الإنسان ، واقباره في ذاكرة الاهمال والنسيان، فعندما يشعر المتقاعد أن الهاتف الذي كان لا يهدأ أصبح صامتا، وأن الزملاء الذين كانوا يسألون عنه كل يوم أصبحوا يتجاهلونه ولا يسألون عنه وعن أحواله .
لا يحتاج المتقاعد في الغالب إلى المال بقدر ما يحتاج إلى أن يشعر بأنه ما زال موجودا حاضرا في ذاكرة الآخرين.
فكم من متقاعد كان طوال عقود شخصا مهما و مطلوبا مثل صديقنا محمد ، تستشار خبرته في كل الأمور ، وتنتظر كلمته الحاسمة، ويعتمد عليه في اتخاذ القرارات المهمة ، وحل المشكلات ثم وجد نفسه بعد التقاعد متواريا بعيدا عن الانظار ، لا أحد يسأله عن رأيه، ولا أحد يحتاج إلى تجربته الكبيرة، وكأن السنوات التي أفناها في العمل قد مسحت بمجرد توقيعه على وثيقة التقاعد و”التشطيب” عليه ليبدأ معها الألم الحقيقي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان بعد التقاعد ليس الفراغ في وقته، وإنما الفراغ في معناه. أن يستيقظ صباحا ولا يجد سببا يدفعه إلى النهوض من الفراش. أن يشعر أن المجتمع لم يعد ينتظر منه شيئا. أن تتحول خبرته الطويلة إلى مجرد ذكريات ،طيف بلا معنى، وأن يصبح الحديث عن الماضي هو المساحة الوحيدة التي يشعر فيها بأنه كان ذات يوم مهما ذا جدوى.
من هنا يكون السؤال عن المتقاعد أكبر من المجاملة الاجتماعية، بل هو شكل من أشكال الوفاء لهؤلاء الناس.
اتصلوا بهم.
اسألوا عن أحوالهم.
ادعوهم إلى لقاءاتكم وحفلاتكم وتكريماتكم الكثيرة.
استفيدوا من تجاربهم.
أشركوهم في الأنشطة الاجتماعية والثقافية.
امنحوهم فرصة للحديث فهم خزان من التجربة والمعرفة والحياة.
المجتمع الذي يحسن احترام متقاعديه هو مجتمع يحترم ذاكرته وماضيه.
والمؤسسات التي تتذكر موظفيها بعد التقاعد، وتبقي جسور التواصل معهم، إنما تؤكد أن الإنسان عندها ليس مجرد رقم في لائحة الأجور، ولا مجرد موظف تنتهي علاقته بالمؤسسة بمجرد انتهاء خدمته.
نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة تبنى على أن حضور المتقاعد ما زال ضروريا لنا، وليس عبئا علينا. وعلى أنه جزء مهم من هذه الحياة ، وليس مجرد شخص يعيش على هامشها البارد الملعون .
علينا أن نفهم أن بعض المتقاعدين لا يقولون إنهم يشعرون بالوحدة، فقط ومن عزة أنفسهم يرسمون البسمات على وجوههم لإرضاء الآخر ، يقولون إنهم بخير، ثم يعودون إلى وحدتهم حيث الصمت الطويل المطبق.
لهذا يجب ألا ننتظر منهم أن يطلبوا الاهتمام بشكل صريح مباشر.
اسألوا عنهم دون أن يطلبوا السؤال.
ساعدوهم على اكتشاف معنى جديد لحياته. فالتقاعد يمكن أن يكون بداية لا نهاية: قراءة، سفر، تطوع، رياضة، عمل جمعوي، تعليم الأجيال، كتابة، زراعة، أو حتى مجرد استعادة العلاقات الإنسانية التي أهملتها سنوات العمل.
فالإنسان يحتاج إلى هدف يصبو إليه، مهما كان عمره.
التقاعد يجب أن يكون استراحة من الوظيفة، لا تقاعدا من الحياة.