الأحداث / المهدي العلمي الإدريسي
في الوقت الذي تتحدث فيه السياسات العمومية عن فك العزلة عن العالم القروي وتقليص الفوارق المجالية وتحقيق العدالة الاجتماعية، ما تزال جماعة تبودة، التابعة لقيادة تافرانت ودائرة غفساي بإقليم تاونات، تواجه عدداً من الإكراهات التي تجعل واقعها التنموي دون مستوى انتظارات ساكنتها.
وتبودة ليست جماعة وليدة أو منطقة هامشية بلا مؤهلات؛ فهي من أقدم الجماعات القروية بالإقليم، كما تتميز بموقع جغرافي لافت، إذ توجد على محور طرقي كان يُصنف سابقاً ضمن الطرق الجهوية، ويربط فاس بشفشاون عبر بني أحمد، ومن هناك في اتجاه طنجة وتطوان.
موقع كهذا كان يمكن أن يجعل من تبودة نقطة عبور وحركية اقتصادية واجتماعية مهمة، وأن يمنحها دينامية أكبر، غير أن واقع الحال يطرح أكثر من سؤال حول مدى استفادة الجماعة وساكنتها من هذه المؤهلات.
طريق يمر من تبودة.. ومسالك تعاني في الدواوير
المفارقة أن الجماعة توجد على محور يربط مناطق مهمة، في حين ما تزال مجموعة من الدواوير المجاورة تعاني من ضعف المسالك الطرقية.
ومع حلول فصل الشتاء، تتضاعف المعاناة، حيث تصبح بعض المسالك صعبة الولوج، وهو ما ينعكس على الحياة اليومية للسكان، وعلى تنقل التلاميذ والمرضى والفلاحين، بل وعلى قدرة الأسر على الوصول إلى مختلف الخدمات الأساسية.
فالطريق بالنسبة للساكنة القروية ليست مجرد إسفلت؛ إنها وسيلة للوصول إلى المدرسة والمركز الصحي والسوق والإدارة، ومدخل أساسي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا يطرح السؤال نفسه: إلى متى ستظل الدواوير تعاني مع كل موسم شتاء؟
السوق الأسبوعي.. من فضاء حيوي إلى فضاء مهمش
ويُعد السوق الأسبوعي بتبودة واحداً من أبرز المرافق التي تعكس واقع الجماعة.
ففي الماضي، كان السوق فضاءً حيوياً يستقطب السكان والتجار من تبودة والدواوير والمناطق المجاورة، ولم يكن مجرد مكان للتسوق، بل كان فضاءً للتواصل والتبادل الاجتماعي والاقتصادي.
وكانت تتوفر فيه، في الماضي، بعض النقط المائية التي يستفيد منها المرتفقون، غير أن هذه الصورة تغيرت اليوم، وأصبح السوق في حاجة إلى التأهيل والتجهيز، بما ينسجم مع دوره وموقع الجماعة.
فكيف يمكن لسوق أسبوعي أن يؤدي دوره الاقتصادي والاجتماعي في غياب أبسط التجهيزات والخدمات؟
الماء الشروب.. مطلب أساسي لا يحتمل التأجيل
إلى جانب وضعية السوق، يظل الماء الشروب من الملفات التي تستحق اهتماماً أكبر.
فالماء ليس امتيازاً ولا مطلباً ثانوياً، بل خدمة أساسية ترتبط مباشرة بكرامة المواطن وظروف عيشه.
وتحتاج المنطقة إلى حلول عملية ومستدامة تضع حداً لمظاهر النقص والخصاص، وتضمن للساكنة الاستفادة المنتظمة من هذه المادة الحيوية.
الصحة.. سكان تبودة يبحثون عن العلاج خارج جماعتهم
في المجال الصحي، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من حيث محدودية الخدمات المتوفرة داخل الجماعة.
فسكان تبودة يستفيدون من الخدمات الصحية في جماعات ومراكز أخرى، من بينها بني أحمد بإقليم شفشاون، وتافرانت، وغفساي، بحسب موقع الساكنة وحاجتها.
وهذا الوضع يطرح إشكال القرب من الخدمات الصحية، خصوصاً بالنسبة لسكان الدواوير والمناطق التي تعاني أصلاً من صعوبة التنقل وضعف المسالك الطرقية.
ففي الحالات المرضية، لا تكون المسافة مجرد أرقام، ولا يكون الطريق مجرد وسيلة للعبور؛ فقد تكون المسافة والطريق عاملاً حاسماً في الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب.
التعليم.. الإعدادية موجودة، لكن أين الثانوي؟
أما في مجال التعليم، فقد عرفت تبودة في الماضي وجود مجموعة من المدارس الخاصة بالتعليم الابتدائي، قبل أن تتطور المنظومة التعليمية بالمنطقة لتتوفر الجماعة اليوم على مؤسسة للتعليم الإعدادي ودار للطالبات.
وهو مكسب مهم، خاصة بالنسبة للفتيات المنحدرات من الدواوير والمناطق المجاورة.
لكن المسار التعليمي لا يزال غير مكتمل.
فغياب التعليم الثانوي التأهيلي داخل الجماعة يجعل التلاميذ الذين يرغبون في مواصلة دراستهم مضطرين إلى التوجه إلى مناطق أخرى، مثل تافرانت أو الوردزاغ، وقبل ذلك كان عدد منهم يتوجه إلى غفساي ومراكز أخرى.
وهنا تبرز مشكلة أخرى مرتبطة بالنقل والبعد وصعوبة المسالك، فضلاً عن الأعباء المادية التي تتحملها الأسر.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن الحديث عن تشجيع أبناء العالم القروي على مواصلة الدراسة في الوقت الذي يضطر فيه التلميذ، بعد الإعدادي، إلى مغادرة جماعته بحثاً عن مؤسسة ثانوية؟
تبودة.. مؤهلات كثيرة وتنمية لم تصل بعد إلى مستوى الانتظارات
إن ما تعيشه تبودة لا يمكن اختزاله في مشكل واحد، بل يتعلق بمجموعة من الملفات المترابطة: طرق ومسالك تحتاج إلى التأهيل، سوق أسبوعي يحتاج إلى التجهيز، ماء شروب يحتاج إلى حلول مستدامة، خدمات صحية لا تزال محدودة، وتعليم ثانوي غائب عن الجماعة.
والمفارقة أن كل ذلك يحدث في جماعة لها تاريخ وموقع جغرافي مهم، وتوجد على محور طرقي يربط فاس بشفشاون وشمال المملكة.
لذلك، فإن المطروح اليوم ليس فقط تحسين مرفق هنا أو إصلاح مسلك هناك، وإنما إعادة التفكير في موقع تبودة ضمن الخريطة التنموية للإقليم.
فالجماعة تتوفر على مقومات يمكن أن تجعل منها مجالاً أكثر حيوية واستقطاباً، إذا ما تم الاستثمار في بنيتها التحتية وخدماتها الأساسية، وتأهيل سوقها الأسبوعي، وتحسين وضعية الماء، وتقوية الخدمات الصحية، وفك العزلة عن الدواوير، وفتح آفاق التعليم الثانوي أمام أبنائها.
تبودة لا ينقصها التاريخ، ولا الموقع، ولا السكان، ولا المؤهلات.
ما ينقصها هو أن تتحول هذه المؤهلات إلى مشاريع وتنمية يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية.
ويبقى السؤال الذي تختصر فيه كل هذه المعاناة..
إلى متى ستظل ساكنة تبودة تنتظر حقها في التنمية والعيش الكريم؟

