اعويفية : حديث مع صديقي العراقي الحاج كاظم حول الدلالات الرمزية التي تحملها بعض مؤسسات الدولة  - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الثلاثاء, أغسطس 11, 2026
مدونات الأحداث

اعويفية : حديث مع صديقي العراقي الحاج كاظم حول الدلالات الرمزية التي تحملها بعض مؤسسات الدولة 

الأحداث/ Alahdat.net

بقلم محمد اعويفية 

في حديث جمعني بصديق عراقي خلال رحلتي الجميلة إلى شرق المملكة الشريفة ، توقفنا طويلا عند مسألة قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها في الحقيقة تفتح نقاشا واسعا على علاقة المواطن العربي بدولته ومؤسساتها.

حدثني الحاج كاظم عن بعض المؤسسات الصحية التي تحمل اسم الملك، وعن المفارقة التي تثيرها بعض الممارسات داخلها حين لا تكون في مستوى الدور الذي أنشئت من أجله، ولا في مستوى الدلالات الرمزية التي يمثلها الاسم الشريف الذي تحمله.

هذا الأمر استوقفني طويلا فحين تحمل مؤسسة عمومية اسم الملك، فإن الأمر لا ينبغي أن يكون مجرد تسمية إدارية أو واجهة لتخليد اسمه. الاسم هنا يحمل رمزية سياسية للدولة، ويفترض أن يرافقه مستوى أعلى من المسؤولية والانضباط والحرص على كرامة المواطن داخل هذه المؤسسة.

لكن السؤال المقلق ماذا يحدث عندما يصبح الاسم كبيرا، بينما تصبح الممارسة داخل هذه المؤسسة صغيرة؟

ماذا يعني أن يدخل المواطن مؤسسة تحمل اسم الملك وهو في حالة مرض وضعف وحاجة ، ثم يجد نفسه أمام البيروقراطية، واللامبالاة، وسوء المعاملة، أو الإحساس بأن كرامته ليست أولوية في الوطن؟

هنا لا تعود القضية مجرد خلاف بين مريض وموظف، ولا مجرد خلل في التواصل الإداري. نحن أمام خلل كبير يمس دور المؤسسة نفسها.

فالملك، في المخيال المغربي، ليس مجرد اسم يوضع على مستشفى أو مؤسسة اجتماعية.فحين تمنح مؤسسة ما هذا الاسم الكبير ، فإنها تتحمل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مسؤولية مضاعفة في الحفاظ على صورته وصورة الدولة ومؤسساتها.

ولهذا فإن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الرمزية إلى حصانة معنوية لمثل هذه المؤسسة تمنع نقدها ، بدل أن تكون دافعا إلى المزيد من المسؤولية والعمل.

فالدول لا تقاس فقط بما تقوله في الخطب والبلاغات، وإنما بما يعيشه المواطن في التفاصيل اليومية لحياته : في المستشفى، في المدرسة، في الإدارة، في المحكمة، وفي كل مكان يفترض أن يجد فيه الدولة حاضرة لخدمته وحماية كرامته.

وإذا كانت الدولة تريد أن تقنع المواطن بأن مؤسساتها في خدمته، فلا يكفي أن تحمل تلك المؤسسات أسماء وازنة ورموزا كبيرة. المطلوب أن يشعر المواطن بقيمة تلك الرموز من خلال الخدمة والإنصاف والاحترام فيزداد فخره واعتزازه وارتباطه بها .

أما أن تكون هناك مسافة شاسعة بين الاسم والممارسة، فذلك يخلق أخطر أنواع فقدان الثقة: أن يبدأ المواطن في النظر إلى المؤسسة باعتبارها مجرد جهاز إداري منفصل عن الغاية التي أنشئ من أجلها.

الهيبة الحقيقية للدولة لا تأتي من تخويف المواطن من انتقاد بعض الممارسات داخل مؤسستها ، وإنما بجعل هذا المواطن يثق فيها.

كما أن صورة الملك تصان بإصلاح الإدارة والمؤسسات التى تحمل اسمه الشريف حتى لا يجد المواطن سببا للإحساس بأن الاسم أكبر بكثير مم يعيشه في الواقع.

 خلص الحديث مع العراقي كاظم بأن المؤسسة التي تحمل اسم الملك ينبغي أن تكون الأكثر حرصا على كرامة الإنسان، والأكثر التزاما بالقانون، والأكثر انضباطا في التدبير، والأسرع في معالجة الاختلالات. لأن الخطأ فيها لا يقرأ دائما باعتباره خطأ موظف، وإنما قد يقرأ باعتباره مساس بصورة الدولة نفسها.

ومن هنا، فإن هذا الحديث مع الصديق العراقي لم يكن في نظري حديثا عن مستشفى أو مؤسسة صحية فقط، بل عن سؤال أوسع هل نريد مؤسسات تحتمي بالرمزية، أم مؤسسات تستحق فعلا هذه الرمزية؟

المعادلة التي يجب أن نفهمها جميعا أنه كلما كان الاسم أكبر، وجب أن يكون الأداء أكبر. وكلما كانت المؤسسة أقرب إلى رمزية الدولة، وجب أن تكون أبعد عن الاستهتار بمصالح المواطن.

وجدة 8/8/2026

error: