Site icon الأحداث المغربية – Alahdat

الدكتورة هند خماسي: خطاب العرش لسنة 2026 يؤسس لمرحلة جديدة في المشروع الاستراتيجي للمغرب

الاحداث Alahda.tnet 

بقلم الدكتورة هند خماسي / باحثة في العلوم السياسية

يعد خطاب العـرش لسنة 2026 من الخطابات التي تتجاوز وظيفتها الدسـتورية التقليدية المتمثلة في تقييم المنجزات واستشراف أولويات المرحلة المقبلة، ليؤسس، في تقديري، لمرحلة جديدة في تطور المشروع الاستراتيجي للدولة المغربية.

فمن خـــلال مــضامينه، لا يـــبدو الخطاب مجرد عرض لحصيلة السياسات العمومية، بــقدر ما يقدم تصوراً متكاملاً لدور الدولة في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي يعرفها العالم. ولــــذلك، فإن قراءة هذا الخطاب لا ينبغي أن تقتصر على أبعـــاده السياسية فـــقط، وإنمـا يمكن مقاربته مــــن زوايا اقتــصادية واجــتماعية ودبلوماسية ودســـتورية متكاملة، بالنظر إلى طبيعة الرسائل التي تضمنها. غير أن القراءة السياسية تظل الأكثر قدرة على استيعاب هذه الأبعاد مجتمعة، لأنها تنظر إلى الخطاب باعتباره تعبيراً عن رؤية الدولة وتوجهاتها الكبرى، وليس مجرد مناسبة للتواصل المؤسساتي.

ومن هذا المنطلق، يمكن القــول إن خطاب العرش لسنة 2026 يعكس انتقالاً تدريجياً من منــطق تدبير الإصلاحات إلى منطق بناء الدولة الاستراتيجية. فالدولة، كــما يقدمها الخطاب، لم تـــعد تقتصر على مــمارسة وظائـفها التـقليدية في الضبط و الإدارة، وإنـما أصبـــحت فـــاعلاً استراتيجيـاً يقود التحول الاقتصادي، ويؤطر الاستثمار، ويعزز السيادة الوطنية، ويوجه الــسياسات العمومية وفق رؤية بعيدة المدى. وهذا التـــحول ينسجم مع الأدبيات الحديثة في العلوم السياسية، التــــي لم تعد تقيس قــوة الدول فقط بحجم مؤسساتها أو سلطاتها القانونية، وإنما بقدرتها على التخطيط، واستباق التحولات، وتعبئة الموارد الوطنية لتحقيق التنمية وتعزيز المكانة الدولية.

ويبرز الخـطاب بوضـــوح أن مفهوم السيادة عرف بــدوره تحولاً عميقاً. فلم تعد السيادة تختزل في بعدها الترابي أو السياسي، بل أصبحت مفهوماً شاملاً يمتد إلى الأمن الغذائي، والأمن الطاقي، والسيادة الصناعية، والسيادة التكنولوجية، والأمن السيبراني. ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن طبيعة التنافس بين الدول تغيرت، وأن امتلاك القرار الوطني المستقل أصبح رهيناً بامتلاك أدوات الإنتاج والابتكار والقدرة على مواجهة الأزمات، أكثر من ارتباطه بالمعايير التقليدية للقوة.

كما أن الخطاب الملكي السامي؛يقدم التنمية باعتبارها ركيزة للشرعية الســياسية. فالمعيار الذي يبرز في مختلف مضامينه هو قدرة الدولة على تحقيق نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين، من خلال تحسين مؤشرات النمو، وتعزيز فرص الاستثمار، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتقليص الفوارق المجالية. ومن ثم، فإن الخطاب يؤكد بصورة غير مباشرة أن شرعية الدولة الحديثة لم تعد تقوم فقط على المشروعية الدستورية أو التاريخية، وإنما أيضاً على الكفاءة والفعالية وجودة الأداء العمومي، وهو تحول ينسجم مع النقاشات المعاصرة حول مفهوم “الدولة التنموية”.

ومن القضايا التي تستحق الوقوف عندها كذلك، الطريقة التي قدم بها الخطاب العلاقة بين الاستقرار والتنمية. فالاستقرار لم يعد يُطرح كغاية في حد ذاته، وإنما باعتباره شرطاً لإنتاج الثقة، وجــذب الاستثمار، وضمان استمرارية الإصلاحات.

وفي المــقابل،تصبح التنمية بدورها عاملاً لتعزيز الاستقرار، من خلال تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتوسيع فرص الاندماج.و يكشف هذا الترابط عن رؤية تعتبر أن التنمية والأمن والاستقرار تشكل منظومة واحدة،يصعب تحقيق أحد عناصرها بمعزل عن العناصر الأخرى.

وفي الجانب الاقتــــصادي، يحمل الخطاب دلالة نوعية تتجاوز الإعلان عن مـــؤشرات النـــمو أو المشاريع الصناعية، لأنه يعكس إرادة واضحة للانتقال مـــن اقتصاد يرتكز على القطاعات التقــليدية إلى اقتصـــاد قائم على الصناعة والتكنولوجيا والابتكار.

فالرهان على صناعة السيارات والطيران والبطاريات و الهيدروجين الأخضر لا يمثل فقط تنويعاً للــقاعدة الإنتاجية، بل يعبر عن توجه استراتيجي يروم إدماج المـغرب في سلاسل القيمة العالمية، والانتقال من موقع الإنتاج منخفض القيمة إلى موقع إنتاج المعرفة والتكنولوجيا. وهذا التوجه ينسجم مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت القدرة التنافسية للدول تقاس بمدى تحكمها في الصناعات المستقبلية.

أما على المستوى السياسي، فإن الخطاب يرسخ فكرة استمرارية الــدولة باعتبارها الضامن الأساسي لاستمرار المشاريع الكبرى. فالرسالة الموجهة بمناسبة الاستحقاقات التشريعية المقبلة مفادها أن التداول الحكومي ينبغي أن يتم داخل إطار استراتيجي ثابت، وأن الاختيارات الكبرى للدولة تشكل مرجعية مشتركة تتجاوز منطق الأغلبية والمعارضة. ومن منظور العلوم السياسية، يعكس هذا التوجه نموذجاً يقوم على التمييز بين الاستراتيجيات الوطنية طويلة المدى، التي تتمتع بالاستمرارية، والسياسات الحكومية التي تتغير وفق نتائج الانتخابات، بما يحقق التوازن بين الاستقرار المؤسساتي والتنافس الديمقراطي.

وفي المــقابل، فإن نـــجاح هذه الرؤية سيظل رهيناً بقدرة مختلف الفاعلين المؤسساتيين والاقتصاديين والاجتماعيين على تحويل التوجيهات الاستراتيجية إلى سياسات عمومية ناجعة، تنعكس آثارها بصورة ملموسة على حياة المواطنين.

فالتحدي الحقيقي لم يعد يكمن في صياغة الرؤى أو إطلاق المشاريع، وإنما في حكامة التــنفيذ، وجودة التنسيق بين المؤسسات، ورفع مردودية الاستثمار العمومي،وتعـزيز آليات التقييم والمساءلة، حــتى تتحول الأهداف المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس.

Exit mobile version