الاحداث من الرباط
في إطــار الحملة الوطـــنية للتحسيس بأهمية التغذية المتوازنة والمتنوعة،التي أطلقتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تحت شعار “صحتك فتغذيتك… نوّع ووازن”، تستضيف جــريدة الأحــداث الدكتـــورة الـبـاحثة حفصة المراشي، الـباحثة في سلــك الدكتوراه في الأنكولوجيا بكلية محمد الســـادس للطب بجامعة محمد السادس لعلوم الصحة بالدار البيـــضاء، والبــاحثة بـــالمــــعهد الوطني للأنكولوجيا سيدي محمد بن عبد الله بالرباط، وعضو الجمعية الأمريكية لعلم الأورام السريري (ASCO).
ويتــناول هذا اللقـــاء موضوع : “التغذية السليمة ونمط العيش… عندما تتحول الاختيارات اليومية إلى محددات بيولوجية للصحة والمرض”، من خلال تسليط الضوء على أهمية التغذية الصـحية ودورها في الوقاية من الأمراض وتعزيز جودة الحياة.
لم يعد مفهوم الصحة في العصر الحديث يقتصر على غياب المرض، بل أصبح يعكس توازنًا دقيقًا بين العوامل الوراثية والبيئية والسلوكية.
وتؤكد الأبحاث العلمية الحديثة أن اختياراتنا اليومية، وعلى رأسها نوعية الغذاء ونمط العيش، تؤثر بشكل مباشر في وظائف الجسم، بدءًا من عمليات الأيض، مرورًا بكفاءة الجهاز المناعي، وصولًا إلى آليات إصلاح الحمض النووي والتعبير الجيني.
ولم تعد التغذية تُنظر إليها باعتبارها مجرد مصدر للطاقة، بل أصبحت أحد أهم العوامل المؤثرة في عمل الخلايا وتنظيم وظائفها. فكل وجبة نتناولها تحمل إشارات بيولوجية تؤثر في إنتاج الهرمونات، ومستويات الالتهاب، والتوازن بين الأكسدة ومضاداتها، وهي عوامل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بخطر الإصابة بالأمراض المزمنة.
وتشير الدراسات إلى أن نمط الحياة غير الصحي، الذي يجمع بين سوء التغذية، وقلة النشاط البدني، واضطرابات النوم، والإجهاد النفسي المزمن، يؤدي إلى ما يعرف بـ”الالتهاب المزمن منخفض الدرجة”، وهي حالة يبقى فيها الجهاز المناعي فــي حالة استنفار دائم رغم غياب أي عدوى، ما يهيئ بيئة ملائمة لظهور أمراض مثل السكري، وأمراض القلب والشرايين، والسمنة، وبعض الاضطرابات العصبية، إضافة إلى السرطان.
وأصبحت الأمراض غير السارية اليوم السبب الأول للوفيات في العالم، وهو ما يعكس التحول الكبير في أنماط الأمراض، ويؤكد أن الوقاية عبر تبني نمط حياة صحي تمثل الخيار الأكثر فعالية والأقل كلفة مقارنة بعلاج المرض بعد ظهوره.
ويــبرز السرطــان نموذجًا واضحًا لهذا الترابط بين الوراثة والبيئة. فبينما لا يمكن تغيير الاستعداد الوراثي، يمكن الحد من عوامل الخطر المرتبطة بالسلوك اليومي. وقد أكدت أبحاث الصندوق العالمي لأبحاث السرطان (WCRF) والوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC) أن نسبة مهمة من حالات السرطان يمكن الوقاية منها من خلال اعتماد نمط حياة صحي ومتوازن.
فالإفراط في استهلاك الأغذية فائقة التصنيع، والسكريات، والدهون المشبعة، إلى جانب السمنة والخمول البدني، يؤدي إلى اضطرابات استقلابية تشمل ارتفاع مستويات الإنسولين وعوامل النمو، وزيادة الالتهابات والإجهاد التأكسدي، وهي عوامل تساهم في تحفيز نمو الخلايا السرطانية وإضعاف آليات الدفاع الطبيعية في الجسم.
وفي المقابل، يرتبط النظام الغذائي الغني بالخضر والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة والألياف الغذائية بانخفاض مؤشرات الالتهاب وتحسن صحة الميكروبيوم المعوي، مما يعزز كفاءة الجهاز المناعي ويقلل من خطر الإصابة بعدد من السرطانات، خاصة سرطان القولون والمستقيم.
ويؤكد المختصون أن الوقاية لا تتحقق بتناول غذاء معين أو اتباع حمية مؤقتة، بل تقوم على تبني أسلوب حياة متكامل يشمل التغذية السلـيمة، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والحفاظ عــلى وزن صــحي، والنوم الكافي، والابتعاد عن التدخين، والحد من التعرض للعوامل البيئية الضارة.
وفي هــذا الإطــار، تكتسب الحملات الوطـنية الهادفة إلى ترســيخ ثقافة التـــغذية المــتوازنة ونـمط العيش الصحي أهمية متــــزايدة، باعتبارها استثمارًا حقيقيًا في الصحة العمومية. فــالوقاية تسـهم في الحد من انتــشار الأمراض المزمنة، وتحسين جودة الحياة، وتقليص الأعباء الاقتصادية المترتبة عن العلاج.
وفي ظل التطور المتواصل للأبحاث الطبية، يبدو واضحًا أن مستقبل مكافحة السرطان لن يرتبط فقط بابتكار علاجات أكثر تقدمًا، بل أيضًا بتعزيز ثقافة الوقاية والوعي الصحي داخل المجتمع. فاختياراتنا اليومية، مهما بدت بسيطة، قد تكون العامل الحاسم في حماية صحتنا وصحة الأجيال المقبلة.
