Site icon الأحداث المغربية – Alahdat

عندما تصبح عطلة الصيف في المغرب امتحانًا للقدرة الشرائية.

الأحداث نت – المهدي العلمي الإدريسي

كان المغاربة ينتظرون فصل الصيف باعتباره موعدًا للراحة والفرح، وفرصة للهروب من روتين الحياة اليومية واكتشاف جمال وطنهم. لكن يبدو أن العطلة الصيفية لم تعد فقط مناسبة للبحث عن البحر والهواء النقي، بل أصبحت أيضًا مناسبة لحسابات دقيقة حول المصاريف، وعلى رأسها “السومة الكرائية” التي تحولت إلى هاجس يؤرق الأسر مع كل موسم صيفي.

في عدد من المدن والمناطق السياحية، ترتفع أسعار كراء الشقق والمنازل بشكل كبير بمجرد اقتراب العطلة، حتى أصبح المواطن يشعر أحيانًا بأن قضاء أيام قليلة قرب البحر يحتاج إلى ميزانية تفوق إمكانياته. فبينما ينتظر البعض عطلة يستريح فيها، يجد نفسه أمام سوق لا يرحم، حيث تتحول بعض المنازل البسيطة إلى عقارات بأسعار استثنائية بمجرد حلول شهري يوليوز وغشت.

ولم يعد هذا الموضوع مجرد نقاش بين العائلات أو داخل المقاهي، بل أصبح حاضرًا بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تحولت معاناة المواطنين إلى مادة للسخرية والفكاهة. فقد انتشرت فيديوهات وتدوينات ساخرة تقارن بين أسعار بعض المنازل الصيفية وأسعار خدمات أخرى، حتى وصل الأمر إلى تداول عبارات طريفة من قبيل أن “المصحات أصبحت أرحم من بعض المنازل المخصصة للكراء”، في تعبير ساخر عن حجم الاستغراب من بعض الأسعار المعروضة.

لكن خلف هذه السخرية توجد رسالة واضحة: المواطن يشعر بأن السياحة داخل بلده أصبحت أحيانًا مكلفة أكثر مما ينبغي. فالأسرة التي ترغب في قضاء أسبوع بسيط تحتاج إلى جمع تكاليف السكن والتنقل والطعام ومصاريف الأطفال، لتجد في النهاية أن عطلة قصيرة قد تستهلك جزءًا مهمًا من ميزانيتها السنوية.

ولا يتعلق الأمر هنا برفض حق ملاك العقارات في تحقيق أرباح من ممتلكاتهم، فالسوق تحكمه قوانين العرض والطلب، والموسم الصيفي يمثل فرصة اقتصادية مهمة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإقبال الكبير إلى مبرر لرفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، لأن الربح السريع قد يكون على حساب صورة السياحة الداخلية وعلى علاقة المواطن بوجهاته الوطنية.

فالسياحة ليست شواطئ جميلة فقط، ولا فنادق فاخرة، ولا حملات إعلانية؛ السياحة قبل كل شيء هي تجربة يشعر فيها الزائر بالترحيب والراحة. والمواطن المغربي الذي يختار قضاء عطلته داخل بلده يجب أن يجد عروضًا تحترم قدرته الشرائية، لا أن يشعر بأنه يعاقب لأنه اختار دعم السياحة الوطنية.

إن مستقبل السياحة الداخلية في المغرب يتطلب أكثر من مجرد الدعوات إلى “اكتشف بلدك”. المطلوب هو جعل هذا الاكتشاف ممكنًا وواقعيًا، عبر تنظيم سوق الكراء السياحي، وتشجيع الأسعار المعقولة، وتوفير بدائل تناسب مختلف الفئات الاجتماعية.

فالمواطن لا يريد عطلة مجانية، ولا يرفض أن يدفع مقابل خدمة جيدة، لكنه يريد فقط أن يكون السعر منطقيًا. لأن السياحة التي تبنى على أثمنة تفوق القدرة الشرائية قد تجلب زائرًا مرة واحدة، أما السياحة التي تبنى على الثقة والإنصاف فهي التي تصنع زبونًا دائمًا.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل نريد صيفًا يفتح أبواب المغرب أمام الجميع، أم صيفًا تصبح فيه متعة السفر داخل الوطن امتيازًا لا يقدر عليه إلا البعض؟

Exit mobile version