"بلحسين وحائط الموت".. بقلم د.سعيد لقبي - الأحداث المغربية - Alahdat
- للإشهار -
الأحد, يوليو 26, 2026
مدونات الأحداث

“بلحسين وحائط الموت”.. بقلم د.سعيد لقبي

الأحداث✍️د.سعيد لقبي
لا يرتبط المغامر علي بلحسين، في حدود علمي المتواضع، بأي صلة قرابة برائدة فن العيطة الراحلة فاطنة بنت الحسين، سليلة حاضرة دكالة البيضاء، سيدي بنور، موطن “الثالوث” الشهير، وواسطة العقد بين بوشان، جمعة مطل، وسبت سايس.
ومع ذلك، فقد تقاطع مسار بلحسين مع فنانة السروت “عطابة” من حيث لا يقصد، باعتباره هو الآخر من صناع الفرجة الشعبية المشوقة، ولكل منهما جمهوره وعشاقه، وكما يقال: “اللي بغا شي يلقاه.”
وتفيد شهادات عدد من الرواة، وبعضهم من الثقات، بأن بلحسين كان يتمتع بقدرة استثنائية على ترويض الآلة، أو ما سماه جابر بن حيان بـ”علم الحيل”. غير أن هذا الترويض لم يكن صناعة ولا صيانة ولا تطويرًا، وإنما كان حسن استعمال للآلة، ودفعها إلى أقصى حدودها، عبر قيادة بهلوانية لدراجة نارية ضخمة مجهولة الماركة، داخل برج خشبي دائري شُيّد من ألواح مستعملة، واشتهر باسم “حائط الموت”.
ورغم أن فرجة علي بلحسين لم تُدوَّن في سيرة مكتوبة، كما هو حال بعض مشاهير البهلوانات، فإنها ظلت حاضرة بقوة في ذاكرة المواسم الشعبية، حيث امتزجت مع باقي أشكال الفرجة التي كانت تقام حصريًا خلال هذه المناسبات، لتؤكد قدرة الموسم التقليدي على استيعاب أنماط جديدة من الترفيه دون أن يفقد هويته.
وكانت هذه المواسم، التي يطلق عليها الفرنسيون Fête Foraine، تُقام غالبًا بعد موسم الحصاد، وإن ارتبطت في الظاهر بمناسبات دينية، فإنها كانت فضاءً مفتوحًا للترفيه الشعبي، حيث يجد كل زائر ما يستهويه؛ من ألعاب الحظ، إلى عروض الشيخات، مرورًا بالألعاب الميكانيكية والعروض البهلوانية.
وكانت لعبة “الفأر الأبيض” من أشهر ألعاب الحظ، إذ يراهن المشاركون على الجحر الذي سيدخله الفأر، ومن حالفه الحظ يفوز بجوائز منزلية بسيطة، لكنها كانت تثير فرحة كبيرة لدى الفائزين.
أما عشاق الشيخات، فكان موعدهم داخل مسرح قصديري مزين بلوحات كبيرة، حيث تتعالى أصوات العيوط الشعبية على أنغام الكمان والبندير والطعريجة، في أجواء احتفالية مميزة.
غير أن ذروة الإثارة كانت تبدأ عندما يحين دور علي بلحسين. يدفع المتفرجون ثمن التذكرة، ثم يصعدون إلى أعلى البرج الخشبي لمتابعة العرض من الأعلى، بينما يتولى مساعدوه فحص البرج والدراجة بمطرقة، يثبتون بها المسامير قبل انطلاق المغامرة.
يبدأ بلحسين بتشغيل محرك الدراجة، ثم يدور ببطء عدة مرات لاكتساب السرعة، قبل أن ترتفع الدراجة تدريجيًا حتى تلتصق عجلاتها بجدار البرج العمودي، متحدية قوانين الجاذبية، وسط دهشة الجمهور وتصفيقه.
ولم يكن يكتفي بالدوران، بل كان يزيد العرض تشويقًا برفع يديه عن المقود، ثم يلوح برايات حمراء وبيضاء، فيما تستمر الدراجة في الدوران بثبات، في مشهد يثير إعجاب الحاضرين ويغذي خيالهم حول سر هذه المهارة الخارقة.
وقد نسج الناس حول بلحسين حكايات عديدة؛ فمنهم من نسب مهارته إلى كرامة أو رؤيا رأتها والدته قبل ولادته، ومنهم من فسر الأمر بطريقة ساخرة، زاعمًا أنه كان يملأ دراجته بوقود الطائرات ليمنحها تلك القوة العجيبة.
وهكذا ظل علي بلحسين أحد أبرز رموز الفرجة الشعبية في المواسم المغربية، وواحدًا من أولئك الذين صنعوا البهجة في زمن كانت فيه البساطة تصنع الدهشة، وظلت عروضه محفورة في ذاكرة كل من شاهدها، شاهدة على مرحلة مميزة من التراث الشعبي المغربي.

المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: