Site icon الأحداث المغربية – Alahdat

مدينة مكناس تئن حت الحر والعطش! من المسؤول عن تردي خدمة الماء بالمدينة؟

الأحداث✍️حنين الهندي: باحث في الجغرافيا والتهيئة المجالية

تعيش مدينة مكناس – ومناطق أخرى بالجهة – على وقع اضطراب مقلق في التزود بالماء الصالح للشرب. فمع ارتفاع موجة الحر ولأزيد من ثلاثة تعاني عدة أحياء بمكناس من انقطاع كلي للماء أو انخفاض مؤثر في صبيبه. وقد عزت الجهات المختصة المشكل إلى عطب مفاجئ أصاب قناة الجر الرئيسية القادمة من سد إدريس الأول. وإذا بدا الأمر للوهلة الأولى أنه حادث طبيعي ومتوقع الحدوث، فإن هذا الانطباع العام يُخفي وراءه العديد من أوجه الحيرة والتساؤل، كما أنه أوضع حكامة تدبير المشكل محطّ شك واستغراب.
ويمكن إجمال أهم أبعاد هذا الاستغراب فيما يلي:
– كيف لمدينة مكناس، التي تأسست منذ نشأتها الأولى على الخضرة الماء، أن تتضع سيادتها المائية رهينة منبع يبعد عنها بقُرابة 100 كلم، وهي التي تتفجّر العيون بداخلها وعلى أعتابها، وأمّنت الماء من قبل داخل أسوارها؟
– من المسؤول عن تدبير الخدمة المائية بمكناس: تامينا للمصدر، إنتاجا وتوزيعا، وخاصة أن الشركة الجهوية متعددة الخدمات بجهة فاس – مكناس خصّصت أكثر من منشور تتبرأ فيه من العطب الحاصل؟
– ما مسؤولية المُنتخب قانونيا وسياسيا وأخلاقيا أمام الساكنة التي انتخبته؟
– ما مسؤولية الساكنة وفعالياتها المختلفة في هذا التحول السيء في مسار تدبير هذه الخدمة الحيوية بالمدينة؟
على وجه الاختصار سنجتهد في تقديم أجوبة لهذه الأسئلة عبر المحاور الأربعة التالية. وسنعمل على تقييم التدبير المائي بمكناس وفق مقاربة جغرافية شاملة وليس تقنية.
1- لوحة كرونولجية عن تدبير الماء الصالح للشرب بمكناس:
من خلال استقراء عدة مصادر ومراجعة خاصة بالمسألة المائية بمكناس نستطيع اختصار علاقة المدينة بالماء الشروب في المحطات التاريخية التالية:

يتضح من خلال هذه اللوحة أن مدينة مكناس منذ نشأتها إلى سنة 2016م – حوالي 1000 سنة – وهو تعتمد التأمين المحلي لخدمة الماء الشروب (واد بوفكران، عيون مجاورة …). ومن جهة أخرى فقد راكمت مكناس خبرة مهمة في انتاج وتخزين وتوزيع وتأمين الماء الشروب استراتيجيا بالمدينة. لكن العقد الثاني من هذا القرن حملة قطيعة مع التأمين المحلي للماء الشروب إلى الاعتماد على المصادر الخارجية (سد ادريس الأول)، فما هو سبب هذا التحوّل؟ وما درجة نجاعته؟
2- نقطة التحول من الماء الباطني إلى السطحي بمكناس:
استارتيجيا يعدّ هذا التحول مجازفة، لأن الميّاه السطحية هي أول ما يتضرر من الجفاف أو المصادر المُعرضة للتبخر والتلوث (المقذوفات الصناعية والمبيدات الفلاحية) ومختلف المخاطر التي باتت وشيكة مع التغيرات المناخية الحالية. كما أن ركود الماء بالسد يؤدي إلى تراجع جودته (طعما ولونا ورائحة). كما يفرض تكلفة باهظة على مستوى المعالجة وجر المياه وصيانة المنشآت (قنوات فولاذية عملاقة، ومحطات ضخ متعددة) واستهلاكا مرتفعا للطاقة الكهربائية من أجل من أجل ضخ المياه وجرها إلى شبكات التوزيع… وهو ينعكس لا محالة على الساكنة بارتفاع ثمن هذه الخدمة، حيث يتحمّل المستهلك، في الأشطر العليا، الزيادات أو الكلفة الحقيقية لإنتاج مياه السدود. وفي المقابل فإن ماء العيون يخضع لتصفية طبيعية وانسياب طوبوغرافي للماء نحو مكناس من عين بطيط … ما يعني تكلفة شبه منعدمة.
أمام هذه المُفارقة لما تم اللجوء إلى ماء السدود لتأمين ماء مكناس الشروب؟ ومتى وقع هذا التحول؟
نعتقد أن نقطة التحول ليست هي زلزال الحوز وما أفرزه من حركة تكتونية أثرت على العديد من العيون، ولا هو توالي الجفاف ولا حتى شبح التغيرات المناخية المُخيِّم على عالم اليوم. إن نقطة التحول جاءت بفعل قرار إداري تدبيري حوّل جغرافية سايس من فلاحة معيشية إلى فلاحة رأسمالية. وقد بلغت الأزمة منتهاها مع مخطط المغرب الأخضر الذي قام على تشجيع الفلاحة التصديرية أو بالأحرى “تصدير الماء الافتراضي”. لقد ضخ المخطط الأخضر أكثر من 100 مليار درهم على الصعيد الوطني على مدى عقد من الزمن، وكان النصيب الأكبر منها موهجاً لعصرنة الضيعات الكبرى وتحفيز الإنتاج التصديري. ونتاجا لذلك بلغت نسبة الضيعات الرأسمالية الكبرى (التي تتجاوز مساحتها 50 هكتاراً وتصل في بعض الأحيان إلى أزيد من 500 هكتار) ما بين 35% إلى 40% من المساحة السقوية الإجمالية لهضبة سايس. كما انتقلت المساحات المسقية عبر المياه الباطنية (طبعا) بفضل الدعم إلى أزيد من 60,000 هكتار بسايس. والنتيجة كانت هي انخفاض مستوى المياه الجوفية بحوض سبو (الذي تنتمي إليه هضبة سايس) إلى ناقص 3 أمتار. وانخفضت المياه بطبقة فاس مكناس إلى ناقص 2,5 مترا. وبخصوص عين بطيط فقد بلغ عجز صبيبها المتوسط إلى 21% حسب وزارة التجهيز والماء قطاع الماء (09 يوليوز 2024).
فمن المسؤول الأول عن هذا التراجع في منسوب فُرشات سايس؟
3- نحو تحديد مسؤوليات في تراجع فرشات سايس؟
بالإضافة إلى القرار غير الاستراتيجي وغير المدروس العواقب لدعم الفلاحة التصديرية في شخص وزارة الفلاحة، فإن هناك مسؤولين آخرين تواطؤا مع الوزارة. ولتحديد مسؤولية كل طرف نورد الشكل التالي:
هيكلة تدرج المسؤوليات في تأمين المرفق المائي بمكناس

يبدو أن مسؤولية وكالة الحوض المائي لسبو كبيرة في عدم حمايتها لمياه سايس الجوفية من اللوبي الفلاحي. لكن يبقى السؤال هل سلطة الوكالة سارية وكافية لردع جميع القطاعات والسياسات العمومية المُهددة للماء؟ من الناحية القانونية الصرفة، الإجابة هي نعم، وكالة الحوض المائي لسبو (ABHS) تملك سلطة قانونية وتشريعية قوية جداً، لكن من الناحية العملية والواقعية، تصطدم هذه السلطة بإكراهات سياسية واقتصادية كبرى ترتبط بلوبيات الفلاحة التصديرية المدعومة ببرامج حكومية إستراتيجية. وهذا أحد مكامن المشكل، وواحدة من أعقد الإشكاليات الهيدرو- تنموية في المغرب؛ وهو التنازع الصامت بين الاستدامة وتحسين المؤشرات المكرواقتصادية.
4- ما دور المنتخب والمجلس الجماعي:
في الواقع المواطن لا تهمه هذه التعقيدات القانونية والمؤسساتية، ولا يملك وقتا لمعرفة من المسؤول. أنا كمواطن أعرف شيئين أساسيين كافيين؛ أولا: حقي في الماء الصالح للشرب كفله الدستور وأقدم ثمن الخدمة ضريبة وفتورة (الفصل 31 من الدستور نص على أن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية تعمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين من الحق في الوصول إلى الماء) وثانيا: لقد انتخبت مجلسا يدافع عن تدبير مصالحي.
من الناحية القانونية هذا الطرح وجيه جدا؛ فالمجلس مسؤول عن توفير الماء الصالح للشرب لساكنته، ولا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يدفع الساكنة إلى مُخاطبة الجهات التي تعمل لصالح المجالس نفسه. وفي هذا الصدد تنص المادة 83 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات على ما يلي: “تقوم الجماعة بإحداث وتدبير المرافق العمومية والتجهيزات العمومية اللازمة لتقديم خدمات القرب في الميادين التالية: توزيع الماء الصالح للشرب والكهرباء، التطهير السائل والصلب”. ومن جهة أخرى فإن الجماعة تُعد طرفا في عقدة التدبير التي تم توقيع عند الانتقال إلى اعتماد الشركة الجهوية متعددة الخدمات (SRM Fès-Meknès) (سلطة الرقابة والتتبع). وإذا قصرت الشركة في الصيانة، أو انقطع الماء عن حيّك، فإن المجلس الجماعي هو الجهة القانونية الوحيدة التي تملك صلاحية تفعيل بنود الجزاءات ضد الشركة، ومساءلتها، وإجبارها على إصلاح الأعطاب.
وحتى عندما يتعلٌّق العطب بالإنتاج أي بالمكتب الوطني للماء وليس بخدمات التوزيع، فإن مسؤولية المجلس المنتخب قائمة، لأنه هو مالك المرفق وأي جهاز مؤسساتي آخر فيظل مجرّد مُتدخِّل تقني. إن رئيس المجلس هنا مُطالب رسمياً بطلب توضيحات، وتحديد جدول زمني دقيق للإصلاح، والضغط لتسريع الأشغال حتى لا تظل المدينة رهينة للتماطل التقني. كما يُمكنه برمجة حلول استدراكية يجب أن تكون في الحسبان (من قبيل إجبار الشركة على تشغيل العيون والآبار الجوفية المحلية لإقليم مكناس (مثل عين بطيط، عين الربيعة، وآبار سايس الاحتياطية) بأقصى طاقتها لتعويض العجز الحاصل من السد ولو جزئياً) إلى حين معالجة المشكل. وأيضا ضرورة التوزيع العادل للمتاح (الوضعية التناوبية بين الأحياء والمناطق). وأخيرا توفير البدائل للمرافق الحساس: التنسيق مع السلطات المحلية والشركة لتأمين شاحنات صهريجية لتزويد المستشفيات، والمخابز، والمرافق الحيوية في المدينة بالماء بشكل مستمر طيلة فترة العطب.
وذلك يجب أن تصحبه قوة تواصلية مع المواطن؛ فالأخير لا يتواصل مع مهندسي السدود؛ المواطن يتواصل مع من صوّت عليهم. إن المجلس الجماعي ملزم بفتح قنوات تواصل رسمية وفورية لتقديم المعلومة الحقيقية للساكنة، وشرح طبيعة العطب، وإعلان ساعات التوزيع لتفادي الإشاعات وحالة الاحتقان الاجتماعي، بدل ترك الساكنة تواجه المجهول أمام صنابير جافة.
خلاصة القول فإن مكناس مُجبرة على عدم الاعتماد الكلي على المياه السطحية، وأن الحدث يثير ضرورة تعزيز الربط بالمياه الباطنية. خاصة أن وزارة الماء أكدت مؤخرا أنه ما بين شتنبر 2025 وفبراير 2026 ارتفع صبيب عين بطيط ارتفاعا استثنائيا من 833 لتر في الثانية إلى 1544 لترا في الثانية. وأن هذا الماء أعذب وأصلح للشرب وأكثر استئمانا للخدمة وأقل تكلفة. أما من الناحية التدبيرية فالساكنة تعرف مجلسها المنتخب والذي وجب أن يُقدّم كل التوضيحات، لكن مع الأسف وإلى حد الآن لم يُصدر المجلس أي بلاغ ما عدا تبني غير الرسمي لبلاغات مؤسسات أخر.

Exit mobile version