الأحداث✍️بقلم الدكتور سعيد لقبي
ينتمي البيدق الأسفي ، والذي لا علاقة له بالبيدق الصغير أو إحدى “ملاهيات” لاعبي النرد ، إلى فصيلة متميزة اشتهرت بلغة الدول الممتدة من الخليج الهادر إلى المحيط الثائر بلفظة (فتوة). وهي كلمة استعملها خصوصا أهل مصر .
أما في بلادنا، فالمصطلح المعتمد ناموسا و عرفا هو كلمة سبيرا. وقد دخلت اللفظة بر المغرب مع فرنجة الفرنسيس ـ أعزكم الله ـ وتعني الداعر الفاسق عيشا، وقد لا تخلو صحيفته من نبل ومكرمات بين الفينة والأخرى ، و يرطنها أولئك بتهجية كلمة SBIRE , ويبدو أن سكان المغرب الأشاوس قد قاموا بعد سبي اللفظة بفتح مؤخرتها وهو فتح مبين ولا شك. فسارت في الأمصار كلمة سبيرا : والبيدق الأسفي من هؤلاء الفتوات /الصعاليك.
بالفعل، فقد عرفت حاضرة عبدة وخصوصا الحي المعروف بالجريفات سيرة البيدق التي بزت خوارق بن ذي يزن وعنترة ﻮ ﺤﻤﺰﺓﺍﻠﺒﮭﻠﻮﺍﻦ.
بيد أن البيدق الأسفي لم يجل في البلدان سياحة ذي النون المصري، ولم يغرب أو يشرق كأبي زيد وجحافل بني هلال ، فقد انحصر مجال تدخل المواطن البيدق في حيز جغرافي محدود بين ضاحية بعيدة آنذاك تسمى دوار الصفا (أي الحجر الصلد) رغم محاولة نفر من المحرفين كتابة النعت ( كالصفاء ) والصفاء منه براء ، هذا اتجاه “القبلة” . أما وجهة “البحر”، فكانت هناك مطاحن : ماكينة المغرب والكاك.CACS وهي شركة أعطت اسمها لما تسميه غير ساكنة أسفي الحنفية أو البزبوز أو الصنبور وأﺧﻴﺮﺍ Robinet.
كان الماء يوزع في جرار طينية ذات شكل إغريقي، “بكدورة” تصنعها أنامل فخدة المعاشات شمال مدينة أسفي قبل ديار مشاغبي أولاد زيد . وعند دخول الاستعمار الغاشم ، وإنشاء بلدية بحاضرة عبدة سنة 1917 ، وللحد من الأمراض المائية (وتعجيمها Maladies hydriques ) ، تم تزويد مياه صهريج شركة CACS بشيء من المطهرات الجافيلية لينساب الماء رقراقا من صنبور نحاسي . وقد حاول أحد Les indigènes المدعو الحمري، منافسة الرأسمال الأجنبي لكن محاولته أجهضت في المهد حين ادعى مكتب حفظ الصحة ( .B.M.H) في ترهاته ودون بينة، أن ماء الحمري ليس بنفس مواصفات جودة ماء الكاك وأنه يؤدي إلى مرض التيفوس و العياذ بالله.
منذ ذلك الزمان، صار “مول الما لحلو أي الكراب” ، يطوف دروب المدينة القديمة من تانجريفت إلى سوق الغزل ومن فندق العايدي إلى درب سيدي عبد الكريم، مخيرا القوم بين “الما” وماء الكاك .
أما البيدق الأسفي فكان على قدر غير قليل من الاستيلاب ، لأنه كان يهوى لبس الأقمصة ذات الأكمام القصيرة لكشف قوة عضلاته تأسيا بفكرة تنسب إلى قول الإمام علي كرم الله وجهه : أضرب الضعيف ضربة ينخلع لها قلب القوي . ثم كان من المواظبين على أصحاب الحلاقة العصرية العليا للحصول على “فريزي” مشهود له بالحسن وإتقان الصنعة . لكن ضعفه كان تخليه عن شرب “الما لحلو” لصالح سوائل أخرى قليلها وكثيرها يسكر، ومنها النبيذ الأحمر خصوصا ذلك الحامل لصورة الإله باخوس وعضلاته المفتولة ككسكس جيد و على رأسه إكليل غار كرياضي محتفى به.
أصبح البيدق الأسفي زبونا ﺪﺍﺋﻤﺍ لحانة لغليمي ، ويذكر التاريخ أن هذا الرجل كان مقوس الظهر إلى درجة كبيرة حتى أصبحت رؤيته على غير ذلك الحال معيارا للثمالة، وسارت بذكره الندمان على أم الخبائث بقول شهير .
إذا رأيت لغليمي بالحانة قد استقام ، فغير المقام (أي بمعنى توقف عن المزيد من المعصية).
لكن ما يبقى في سيرة البيدق الهمام ، ليس هو دفاعه عن الحي وأبنائه ضد الغزاة الآثمين ، بل تصديه الدائم لقوات الأمن من مخازنية و سبايسية و لاسورطية . وسنورد هنا ثلاث محطات مؤسسة لتاريخ هذا النزال:
1 ـ نهار السلكوس ( إطار دراجة معدني ) :
ذات يوم طوقت ثلاث سيارات للشرطة من نوع لاندروفير المدعو البيدق من أجل القبض عليه ، وتمت محاصرته بإحدى أزقة حي الجريفات ولعلها زنقة الحرشاوي قرب حمام لحوسين ، ونظرا لقوة البيدق الشمشونية فقد اهتدى دليل أحد رجال البوليس وبعد طول صراع إلى محاولة شل حركته بوضع إطار معدني قدمه لهم “سيكليس”، فضل عدم ذكر إ سمه. لكن محاولة ( لاسورطي ) المنتمي إلى la Sûreté لم تدم طويلا ، فبعد وضع الغل، غنى البيدق مع أبي القاسم الشابي عجزه … لابد للقيد أن ينكسر، وما هي ياسادة يا كرام إلا ثوان حتى نفخ الرجل صدره وصلى على النبي العدنان، وبالرغم من ضرب رجال الحال له فقد انكسر الطوق ، وطارت حمامة البيدق بعيدا عن الظالمين بجهد الله و شفاعة سيدي بنحسين. وبيد واحدة، وقفزة هائلة تسنم سقف إحدى سياراتهم التي كانت تضمر له البغضاء وسوء المنقلب عند الوكيل . وبرشاقة إحدى لاعبات جمباز لوي جانتيل ( اليوسفية حاليا ) نط البيدق على حصان الرسن، وترك الأمن يضرب كفا بكف لانعدام شيء آخر يضربونه .
2 ـ نهار القادوس :
لم يذكر مدونو سيرة البيدق الهمام متى وأين جرت هذه الواقعة المعروفة بنهار القادوس . لكن التحليل العلمي الرصين للعنوان يشي بأنها حدثت بالمدينة الجديدة حيث تغطي ﺃﺣﻴﺍﻧﺍ ﺃسطوانات حديدية البالوعات، وهذه اﻷسطوانات تحمل بخيلاء نحثا يفيد بأنها صناعة وطنية au Maroc Fabriqué وتحتها كلمة tabors و الجميع يقرأها معكوسة (الصروبة ). وهذه المناظرة بين البيدق الأسفي والبوليس لم تدم طويلا فقد أقبل وأدبروا حين رأوه مسلحا بالاسطوانة الحديدية مهددا إياهم برميها فوقهم من سجيل ليعصف بأرواحهم الشريرة. فبدا، حسب من حضر الواقعة كرياضي يحاول رمي الجلة ولا أروع كما يقول مذيعو هذا الزمان القادوسي حقا .
3 ـ نهار الديفيلي (الاستعراض) :
كان البيدق يومها تحت تأثير أم الخبائث حتى أنه نادى بنفسه على سيارة من نوع لاندروفر دائما، يمتطيها بوليسيان اثنان لا ثالث لهما ليحملاه إلى بيته، اعتقادا منه أنه أشار إلى طاكسي. فكبلاه بمينوط من النوع الرسمي نيميرو 5 إسباني الصنع معروف بضيقه عكس الماركة النمساوية . وأسراه بضاعة في الخلف بعدما أسدلا عليه الستار : وكانا حديثي العهد بالمدينة . ثم سارا الهوينى في اتجاه فندق أو نزل الشرطة وهو تعريبنا لعبارة Hôtel de police لتسليم هذا المخمور للديمومة واتخاذ اللازم …
لم يعر البوليسيان كثير اهتمام لضحكات مستترة وهمهمات مفضوحة عند مرورهما بتجمع غير مرخص له وإن كان عفويا ، لكن من حضر أخبر من غاب أن البيدق قام بكسر الأغلال ، وقد اعتاد على هذا الأمر حتى أن البعض شك في ماهية المعدن الذي صنعت منه القيود، ثم أحدث في السقف الثوبي ثقبا أخرج منه الرأس والذراعين حد الخصر، وبدأ يلوح للناس على غرار الانجليكاني وينستون تشرشل، غداة الحرب العالمية الثانية، عندما وسع ما بين وسطاه وسبابته ورمز لحرف V اختزالا للفظة Victory وتعني عند الأنجلوساكسونيين لقد غلبناهم ، وسار على درب وينستون كل من انتصر ولو على شاكلة قتلنا الثعبان. وعرف مرور البيدق واقفا خلف سيارة لاندروفير ملوحا للناس بنهار الديفيلي قبل أن ينط ويمضي إلى معقله الحصين بالجريفات تاركا معتقليه في حيص بيص .
نهاية البيدق الأسفي
كانت دليلة شمشون أسفي والتي قصت فريزيه هي أم الخبائث ، وقد ذهل القوم حين جاءهم رجل غير فاسق بنبأ من أقصى المدينة مفاده: أن شابا يسمى ولد الحبيب الحجام تشاجر لسبب غير معروف مع البيدق ، وان هذا الحبيب ضربه بطريقة غير منتظرة خر إثرها فتوة الجريفات صريعا، ويضيف الراوي بأن هذه الطريقة تنتمي إلى تعليم إحدى الزوايا القادمة من الصين عبر سينما الأطلس الكائنة بزنقة المستشفى الأهلي بأسفي ، وتظهر تلك الأفلام شيخا ومريدين ، لكن عوض حلقات ذكر الله والأوراد، يتعلمون فيها طقوسا شيطانية ومناكر محبوبة لديهم ، وصنوفا من علم القتال بدون سلاح . وقد استعمل الحبيب ولد الحجام، في ما يبدو إحدى تعاليمهم . و قال قائل هاله الحدث، لعل ولد الحجام هو من حملة بيرق ياجوج وماجوج الذين ، لولا سد ذي القرنين لكان أولهم يشرب من بحيرة طبرية بالشام وآخرهم عند ثغور خراسان ، قوم لهم أذن صلدة وأخرى من وبر، فإن تعب أحدهم من الدبيب فوق أديم الأرض افترش الصلدة وﺍدثر بالوبر . لكن، من رأى ولد الحجام لم يتعرف على أي واحدة من هذه العلامات.
بهزيمة نكراء إﺬﻦ، انتهت أسطورة البيدق. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

