
الأحداث بقلم✍️ محمد اعويفية
لايمكن الحديث عن وضع الطبقة المتوسطة في المغرب دون التوقف بكل حياد وموضوعية عند الفارق الكبير بين مرحلتين سياسيتين مختلفتين كل الاختلاف ،مرحلة عبد الإله بن كيران، ومرحلة عزيز أخنوش. فكل واحدة منهما حمل تصورا مختلفا للكيفية التي تدار بها الدولة، وللطريقة التي تدبر بها الأزمات، وللعلاقة مع المواطن البسيط الذي وجد نفسه في نهاية المطاف الأكثر تحملا للكلفة في المرحلتين معا.
دخل عبد الإله بن كيران إلى الحكومة سنة 2011 على وقع ما يعرف بالحراك العربي، مستفيدا من موجة الغضب التي عاشها الشارع المغربي آنذاك. رفع الرجل شعارات محاربة الفساد والاستبداد وربط المسؤولية بالمحاسبة، وقدم نفسه كصوت الشعب والمدافع الأول عن الفئات البسيطة والمتوسطة. لكن مع مرور الوقت ، بدأت الفجوة تتسع بين خطابه والواقع خصوصا بالنسبة للطبقة المتوسطة التي كانت تنتظر منه تحسين أوضاعها، فإذا بها تتحول إلى الخاسر الأكبر من السياسة في عهده وفي عهد سعد الدين العثماني.
أولى الضربات القوية جاءت مع قرار رفع الدعم عن المحروقات ، وهو القرار الذي اعتبره بن كيران وأنصاره إصلاحا شجاعا، بينما رآه كثير من المغاربة تخليا مباشرا عن القدرة الشرائية للمواطن. فمنذ تحرير أسعار الوقود، دخل المغرب في دوامة غلاء مسعورة مستمرة لحد الساعة، لأن المحروقات ليست مادة معزولة، بل تتحكم في شريان الحياة الاقتصادية ككل. وهكذا، لم يعد المواطن يشتكي فقط من ثمن المحروقات ، بل من ارتفاع كلفة الحياة بأكملها: الخضر، اللحوم، النقل، الكهرباء والماء، وحتى مصاريف الدراسة والعلاج.
الطبقة المتوسطة كانت الأكثر تضررا، لأنها ليست فقيرة لتستفيد من برامج الدعم المباشر، وليست غنية لتتحمل موجات الغلاء بسهولة. إنها الطبقة التي تؤدي الضرائب، وتدفع أقساط السكن، وتتحمل تكاليف التعليم والصحة، وتعيش أصلا على توازن هش، وبقيت أجورها وحتى رتبها مجمدة دون حركة تذكر ،لذلك حين ارتفعت الأسعار بشكل متتال ومتسارع، بدأت هذه الفئة تفقد تدريجيا قدرتها على الاستقرار، وتحولت حياة آلاف الأسر إلى سباق يومي محموم لتغطية المصاريف فقط.
ثم جاء ملف إصلاح التقاعد، الذي مر في ظروف غامضة وشكل بعدها نقطة صدام قوية بين حكومة بن كيران والموظفين. فقد تم رفع سن التقاعد، والزيادة في الاقتطاعات من أجور الموظفين، مع تخفيض نسبي في قيمة المعاشات المستقبلية. الحكومة قدمت القرار باعتباره ضرورة لإنقاذ صناديق التقاعد من الإفلاس، لكن فئات واسعة اعتبرته تحميل الموظف وحده مسؤولية اختلالات تراكمت عبر سنوات طويلة بسبب سوء التدبير وغياب الحكامة. شعر الموظف المغربي وقتها بأنه محط انتقام من بن كيران بالذات الذي جعله يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها، وأن زعيم الإسلامي اختار الحل الأسهل عند الطبقة الأضعف والاقتطاع من جيبها ومن أعمارها .
لم تتوقف آثار تلك السياسة عند الجانب المالي فقط، بل انعكست نفسيا واجتماعيا على الطبقة المتوسطة. فقد ساد شعور عام بعدم الأمان الاجتماعي، وبأن المستقبل أصبح أكثر غموضا مع الإسلاميين . الموظف الذي كان يطمح إلى حياة مستقرة، وتعليم جيد لأبنائه، وتقاعد مريح، أصبح يفكر فقط في الهروب و في كيفية تجاوز نهاية الشهر دون ديون إضافية.
أما في ملف التشغيل، فقد اتسمت مرحلة بن كيران بكثير من التوتر مع المعطلين وحاملي الشهادات. بدت الحكومة آنذاك وكأنها تنظر إلى المطالب الاجتماعية بعين الريبة، لا باعتبارها حقوقا مشروعة. وبدل إطلاق دينامية اقتصادية قوية قادرة على خلق فرص الشغل، طغى خطاب التقشف والتبرير، فيما ارتفعت معدلات الإحباط وسط الشباب، خصوصا مع تراجع الثقة في كل وعود بن كيران السياسية.
الأكثر إثارة للجدل في تجربة بن كيران لم يكن فقط مضمون القرارات، بل الطريقة التي تم بها تسويقها سياسيا. فقد امتلك الرجل قدرة خطابية كبيرة جعلته قادرا على تمرير إجراءات مؤلمة بلغة شعبية بسيطة، قريبة من الناس. كان يطالب المواطنين بالتحمل والصبر والتضحية من أجل الوطن، بينما كانت الطبقة المتوسطة تدفع الثمن الأكبر وحدها. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فالرجل الذي جاء بشعار الدفاع عن الشعب، ارتبط اسمه عند كثير من الأسر بمرحلة القهر، التعنيف في بعض الحالات مع الأطباء والأساتذة ،التراجع المعيشي والخوف الاجتماعي.
في المقابل، جاءت حكومة عزيز أخنوش في سياق مختلف تماما، سياق مطبوع بالأزمات العالمية، من جائحة كورونا إلى حرب إيران ضد الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل مرورا بالحرب الروسية الأوكرانية وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية عالميا . ورغم ذلك، حاولت الحكومة الحالية اعتماد مقاربة مغايرة تقوم على توسيع الحماية الاجتماعية والدعم المباشر بدل الاكتفاء بسياسة التقشف .
فقد أطلقت الحكومة مشروع التغطية الصحية الإجبارية، وبدأ تعميم الدعم الاجتماعي المباشر للأسر، مع رفع أجور بعض الفئات، وإعادة فتح الحوار الاجتماعي مع النقابات بعد سنوات من التوتر والجمود. كما شهدت بعض القطاعات زيادات مهمة في الأجور، خاصة في التعليم والصحة، بالموازاة مع بعض التخفيضات الضريبة ،في محاولة لإعادة شيء من الثقة للموظفين والطبقة المتوسطة عموما.
ورغم استمرار الغلاء خلال مرحلة أخنوش، إلا أن جزء من الرأي العام يرى أن الحكومة الحالية على الأقل تحاول امتصاص آثار الأزمات بدل الاكتفاء بتبريرها. فالدولة أصبحت أكثر حضورا عبر برامج الدعم، بينما كان الإحساس السائد خلال مرحلة بن كيران هو أن المواطن ترك وحيدا تنهشه الأسعار وتلطمه تقلبات السوق .
طبعا، هذا لا يعني أن حكومة أخنوش حققت كل الوعود أو أن الطبقة المتوسطة استعادت معه كامل عافيتها وتعيش اليوم رغد العيش ، فما تزال هناك انتقادات مرتبطة بارتفاع الأسعار و البطالة ،ضعف فرص الشغل واستمرار الضغط المعيشي. لكن الفرق الجوهري، يكمن في طريقة السياسة نفسها بين حكومة رفعت شعار التقشف و شد الحزام إلى آخر ثقب فيه على حساب كل الطبقات ، وحكومة تحاول بشكل نسبي، الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الاجتماعي عبر الدعم والحوار والإجراءات الاجتماعية.
استقرار أي بلد مرتبط بقوة طبقته المتوسطة. فحين تنهار هذه الفئة، يختل التوازن الاجتماعي كله، وتزداد الفوارق و يعظم الاحتقان. لهذا يعتبر كثير من المغاربة أن سنوات بن كيران كانت مرحلة ضغط اقتصادي ونفسي غير مسبوق عليهم وعلى الطبقة المتوسطة، بينما تحاول الحكومة الحالية ترميم جزء من ذلك الشرخ وسط ظروف مناخية و دولية صعبة ومعقدة.
السياسة لا تقاس فقط بالشعارات والخطب الرنانة المؤثرة، بل بما يشعر به المواطن في معيشه اليومي: في السوق، في التطبيب ، وفي قدرته على تعليم أبنائه والعيش بكرامة. وهنا بالضبط تكمن الحقيقة التي لا يمكن لأي خطاب شعبوي أن يخفيها طويلا .