الأحداث نت : م.ع.الإدريسي
هل فشلت العقوبات وحدها في ردع الجريمة؟ وهل يكمن الحل في الأمن أم في التربية والشغل؟
أصبحت مشاهد الاعتداءات والسرقات في عدد من المدن المغربية تثير قلقاً متزايداً لدى المواطنين، بعدما تحولت بعض الأحياء والشوارع إلى فضاءات يشعر فيها الناس بانعدام الأمان، خاصة خلال ساعات معينة من اليوم. ورغم الجهود الأمنية المكثفة التي تبذلها السلطات لمحاصرة الجريمة، لا يزال السؤال يفرض نفسه بإلحاح: لماذا تتزايد هذه الظاهرة؟ وما الأسباب الحقيقية التي تدفع بعض الشباب إلى سلوك طريق العنف والسرقة؟
خلال السنوات الأخيرة، عززت الأجهزة الأمنية حضورها الميداني، وكثفت حملاتها الاستباقية، كما تم توظيف وسائل مراقبة حديثة ساهمت في توقيف العديد من المتورطين في جرائم السرقة والاعتداء. ويواكب ذلك ترسانة قانونية تتضمن عقوبات متفاوتة تصل في بعض الحالات إلى السجن لسنوات طويلة.
غير أن الواقع يكشف أن المقاربة الأمنية، رغم أهميتها وضرورتها، لم تنجح وحدها في القضاء على الظاهرة. فكلما تم تفكيك شبكات إجرامية أو توقيف جانحين، تظهر حالات جديدة تؤكد أن المشكلة أعمق من مجرد تطبيق العقوبات.
ويرى عدد من المتتبعين أن تراجع القيم الأخلاقية وضعف الوازع الديني يشكلان أحد العوامل المساهمة في انتشار الجريمة. فالدين والقيم المجتمعية يمثلان حاجزاً نفسياً وأخلاقياً يمنع الفرد من الاعتداء على الآخرين أو الاستيلاء على ممتلكاتهم. وعندما يضعف هذا الحاجز، يصبح الانحراف أكثر سهولة لدى بعض الأشخاص، خصوصاً في ظل التأثير المتزايد لبعض السلوكيات السلبية المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
لكن تحميل المسؤولية للوازع الديني وحده لا يبدو تفسيراً كافياً. فخبراء الاجتماع يؤكدون أن الجريمة غالباً ما تكون نتيجة تراكمات اجتماعية واقتصادية وتربوية معقدة. فالتفكك الأسري، والهدر المدرسي، وضعف التأطير التربوي، كلها عوامل تجعل بعض الشباب أكثر عرضة للانحراف والوقوع في براثن الجريمة.
كما أن البطالة وغياب فرص الشغل يظلان من أبرز التحديات التي تواجه فئات واسعة من الشباب المغربي. فالإحساس بالتهميش وانسداد الآفاق قد يدفع البعض إلى البحث عن طرق غير مشروعة لتحقيق مكاسب سريعة، خاصة في الأحياء التي تعاني من الهشاشة والفقر. صحيح أن الظروف الاجتماعية لا تبرر ارتكاب الجرائم، لكنها تظل عاملاً مؤثراً في خلق بيئة تسمح بانتشارها.
وفي خضم هذا الجدل، يبرز اتجاه يدعو إلى اعتماد مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الأمنية التقليدية. فمحاربة الجريمة لا تبدأ فقط من مراكز الشرطة والمحاكم، بل تبدأ أيضاً من المدرسة والأسرة وسوق الشغل. كما أن الاستثمار في التعليم والتكوين المهني، وخلق فرص العمل، وتوفير فضاءات ثقافية ورياضية للشباب، قد يكون أكثر فعالية على المدى الطويل من الاكتفاء بالعقوبات الزجرية.
إن الاعتداءات والسرقات ليست مجرد أرقام في التقارير الأمنية، بل هي مؤشر على اختلالات اجتماعية واقتصادية وثقافية تحتاج إلى معالجة عميقة. وبين ضرورة الحزم الأمني وأهمية الوقاية الاجتماعية، يبقى الرهان الحقيقي هو بناء مجتمع يوفر الأمن والكرامة والفرص للجميع، حتى لا تتحول الجريمة إلى خيار يفرضه اليأس أو غياب القيم.
فهل يكمن الحل في تشديد العقوبات أكثر، أم في بناء إنسان متوازن يجد في التربية والعمل والأمل بديلاً عن الانحراف؟

