
الأحداث✍️رأي تربوي بقلم عبدالهادي بودى
من القيم الإنسانية الراقية التي تسهم في بناء مجتمع متماسك ومتعاون قيمة الفرح بنجاح الآخرين والاعتزاز بإنجازاتهم، سواء تعلق الأمر بمدير أو مفتش أو باستاذ أو بمؤسسة أو بفريق عمل أو مجموعة من التلاميذ أو الباحثين أو المبدعين. فالنجاح في أي مجال من المجالات التربوية أو العلمية أو الرياضية أو الثقافية أو الفنية ليس مكسبا لصاحبه فقط، بل هو إضافة إيجابية للمجتمع كله، ومصدر إلهام للأجيال الصاعدة، ودليل على أن العمل الجاد والاجتهاد يؤتيان ثمارهما.
غير أن المتأمل في بعض السلوكات الاجتماعية يلاحظ مفارقة تستحق الوقوف عندها؛ إذ نجد تفاعلا واسعا مع أمور عابرة أو محتويات ترفيهية لا تضيف قيمة حقيقية للفرد أو المجتمع، فتنهال عبارات الإعجاب والتشجيع والتعليقات والمتابعات. وفي المقابل، عندما يتحقق نجاح تربوي أو علمي أو ثقافي أو مسرحي أو رياضي، أو تتوج مؤسسة أو فريق أو تلميذ بإنجاز مشرف أو نجاح متميز بعد جهد وعمل ومثابرة، فإن حجم التفاعل والتقدير يكون أحيانا شبه منعدم أقل بكثير مما يستحقه ذلك الإنجاز.
إن الأمر لا يتعلق بالمبالغة في المدح أو الإشادة، وإنما بأبسط صور التقدير الإنساني التي لا تكلف شيئا: كلمة تهنئة، أو دعاء صادق، أو إشارة إعجاب، أو رسالة تشجيع، أو ابتسامة تعبر عن الفرح بنجاح الآخرين. فهذه السلوكات البسيطة تحمل معاني عظيمة، وتترك آثارا إيجابية في النفوس، وتسهم في نشر ثقافة الاعتراف بالمجهود والاحتفاء بالتميز.

ومن الناحية التربوية، فإن تشجيع الناجحين والاعتراف بإنجازاتهم يعد وسيلة فعالة لترسيخ قيم الاجتهاد والمثابرة والطموح لدى الناشئة. فالتلميذ الذي يرى مجتمعه يحتفي بالنجاح سيؤمن بقيمة العمل والتميز، أما إذا رأى الإنجازات تمر في صمت وتجاهل، فقد يفقد جزءا من حماسه ودافعيته للعطاء.
أما من الناحية الأخلاقية، فإن الفرح بنجاح الآخرين دليل على سلامة الصدر ونقاء القلب وسمو النفس. فالإنسان الواثق من نفسه يدرك أن نجاح غيره لا ينتقص من مكانته ولا يقلل من فرصه، بل يضيف لبنة جديدة إلى صرح التقدم الجماعي. ولذلك كان من شيم الكرام أن يهنئوا ويشجعوا ويباركوا لكل مجتهد ومتميز.
كما أن المجتمع الذي تسوده ثقافة التشجيع والتقدير هو مجتمع تنتشر فيه روح التعاون والمحبة والتكامل، بينما يؤدي تجاهل النجاحات أو التقليل من شأنها إلى إضعاف روح المبادرة وإشاعة مشاعر الإحباط والجفاء بين الناس.
إننا جميعا في حاجة إلى مراجعة بعض سلوكاتنا اليومية، وإلى تربية أنفسنا على الفرح الصادق بإنجازات الآخرين، والاحتفاء بكل ما يرفع من شأن الإنسان والمؤسسة والوطن. فالكلمة الطيبة لا تنقص من قدر قائلها، والتهنئة لا تسلب أحدا نجاحه، والدعاء للمتميزين لا يحرم صاحبه من التميز، بل يزيد المجتمع تماسكا ويجعل الخير أكثر انتشارا.
فلنجعل من نجاح الآخرين مناسبة للفرح والأمل، ولنؤمن بأن الخير يتسع للجميع، وأن التفوق لا يحتكره أحد، وأن أجمل ما يمكن أن نقدمه للناجحين هو الاعتراف بجهودهم والدعاء لهم بمزيد من التألق والعطاء. فالمؤمن الصادق يفرح بالخير حيثما كان، ويتمنى النجاح لنفسه ولغيره، ويسهم بكلمة طيبة أو موقف نبيل في صناعة بيئة يسودها التقدير والاحترام والمحبة.
ونسأل الله تعالى أن يرزقنا سلامة القلوب، وأن يجعلنا من الذين يحبون الخير للناس جميعا، ويفرحون بكل نجاح يسهم في بناء الإنسان وخدمة المجتمع، وأن يجنبنا مشاعر الجفاء واللامبالاة، ويزين أخلاقنا بروح التعاون والتشجيع والإنصاف.
