الأحداث✍️المهدي العلمي الإدريسي
لم يعد الخبر في زمن المنصات الرقمية مجرد معلومة تُنقل، بل أصبح في كثير من الحالات مادة خام تُستخرج منها نسب المشاهدة والتفاعل. وبينما كان يُفترض في الإعلام أن يكون وسيطًا لنقل الحقيقة وخدمة الصالح العام، برزت فئة من القنوات الإلكترونية التي تتعامل مع الحوادث المأساوية وكأنها “فرص محتوى” قابلة للاستثمار السريع.
في حوادث الطرق، وفي الوقائع الاجتماعية المؤلمة، وحتى في اللحظات الأكثر حساسية التي تعيشها الأسر المنكوبة، تتسابق بعض الصفحات والقنوات إلى عين المكان بسرعة لافتة. غير أن المشكلة لا تكمن فقط في سرعة النقل، بل في طريقة التناول: كاميرات تقترب أكثر مما ينبغي، أسئلة تُطرح على أشخاص في حالة صدمة، ومشاهد تُبث دون أي اعتبار للخصوصية أو لحرمة اللحظة الإنسانية.
حادثة القنيطرة- سيدي الطيبي، وغيرها من الحوادث التي يتم تداولها بشكل واسع في الفضاء الرقمي، أعادت إلى الواجهة هذا النقاش القديم الجديد: أين ينتهي حق الجمهور في المعرفة، وأين تبدأ كرامة الضحايا وأسرهم؟ حين تتحول المأساة إلى “ترند”، يصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين الخبر والتجارة، بين التوثيق والاستغلال.
ما يثير القلق أكثر هو أن هذا النمط من التغطية لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءًا من منافسة مفتوحة على “السبق الرقمي”. فعدد المشاهدات والإعجابات والمشاركات صار معيارًا غير معلن للنجاح، حتى لو كان ذلك على حساب أبسط قواعد المهنية الصحفية.
في هذا السياق، تتراجع أسئلة مثل: ما الفائدة من نشر هذا المحتوى؟ وما أثره على الضحايا؟ لصالح سؤال واحد فقط: كم سيحقق من تفاعل؟
المؤسف أن هذا التوجه لا يضر فقط بصورة الإعلام، بل يترك آثارًا نفسية واجتماعية مباشرة على أسر الضحايا. فبدل أن تُمنح هذه الأسر مساحة للحداد والتعامل مع الصدمة في هدوء، تجد نفسها محاصرة بكاميرات وهواتف توثق الألم في لحظته الخام، وتعيد نشره آلاف المرات خارج أي سياق إنساني أو أخلاقي.
ولا يمكن إغفال أن جزءًا من المشكلة يرتبط أيضًا بسلوك الجمهور نفسه. فالإقبال الكبير على المقاطع الصادمة والمحتويات المثيرة يشجع هذا النموذج من “الإعلام التجاري” على الاستمرار والتوسع. بمعنى آخر، ليست المنصات وحدها من تنتج هذه الظاهرة، بل هناك طلب رقمي يغذيها ويعيد إنتاجها باستمرار.
لكن الأخطر من كل ذلك هو التطبيع مع الفكرة: أن الألم مادة، وأن المأساة محتوى، وأن الإنسان في لحظات ضعفه يمكن أن يتحول إلى وسيلة لزيادة التفاعل.
حين يصبح هذا الأمر عاديًا، فإننا لا نكون أمام أزمة إعلام فقط، بل أمام أزمة قيم.
إن الحاجة اليوم ملحة لإعادة طرح سؤال الأخلاقيات في الإعلام الرقمي بجدية أكبر، ليس فقط عبر القوانين، بل أيضًا عبر الوعي المهني والضغط المجتمعي. فالإعلام الذي يفقد حسه الإنساني يفقد في النهاية مصداقيته، مهما ارتفعت أرقامه.
قد تكون السرعة ميزة في عصر الإنترنت، لكن الإنسانية ليست قابلة للتسريع أو الاختصار. وما لم يتم وضع حدود واضحة لهذا السباق المحموم نحو المشاهدة، ستظل المآسي تُستهلك مرتين: مرة في الواقع، ومرة على الشاشات.

