الأحداث بقلم: محمد اعويفية
إدراكا منها بالعزلة الصامتة التي أصبحت تعاني منها القراءة وسط الكم الهائل من الشاشات الالكترونية، وسرعة الحياة وتزاحمها، اختارت الأستاذة فاطمة الزهراء بن الشيخ، المشرفة على نادي القراءة بمؤسسة عبد السلام الوزاني الابتدائية، أن تخوض معركة مختلفة؛ معركة إعادة المتعلمين إلى الكتاب، وإعادة الحلم إلى أعينهم البريئة. لم تكن الأستاذة تنظر إلى نادي القراءة كنشاط مواز عادي وعابر، بل كانت تؤمن بأنه مساحة صغيرة يمكن أن تغير علاقة الصغار بلغتهم، وبحياتهم كلها.
لقد منح حضور الكاتب ياسين، بثقل وزنه وغزارة إنتاجه الأدبي ، النشاط قيمته الحقيقية، فولدت تلك الروح التي نسجت تفاصيلها وإشعاعها بهدوء وإخلاص. وكانت الأستاذة تتحرك بين الورشات بعين المربية التي تدرك أن الطفل، حين يقترب من الكتاب، يقترب أكثر من نفسه ومن ذاته. وكانت تؤمن بأن القراءة لا تفرض بالأوامر، بل تزرع بالترغيب وتسقى بالمحبة، وأن الطفل يحتاج فقط إلى من يوجهه ويفتح له الباب ليكتشف وحده سحر الكلمة ومفعولها.
خلال هذا النشاط، بدا واضحا الأثر العميق الذي خلفه حضور الكاتب بشخصه لهذا العمل التربوي ؛ فقد ظهر التلاميذ وهم يناقشون ياسين گني بثقة الواثق وبفضول المكتشف، يطرحون الأسئلة بشغف، ويتفاعلون مع كلماته بوعي يفوق أعمارهم الصغيرة ، يشرعون أبواب خيالهم لمسايرته ،فتزداد اتساعا مع كل ابتسامة مشرق من وجهه المضيئ . وكأن ذلك أجمل اعتراف بالجهد الذي بذلته الأستاذة فاطمة الزهراء، رئيسة نادي القراءة بالمؤسسة، التي نجحت في أن تجعل من الكتاب رفيقا للأطفال، لا مجرد واجب مدرسي ثقيل.
لقد بدت القاعة، في تلك اللحظة، وكأنها تحتفي بشيء ثمين بالغ الأهمية ؛ كانت تحتفي بفكرة أن المدرسة ما تزال قادرة على صناعة الحياة والجمال في النفوس. فحين يوجد فيها مدرسون يؤمنون برسالتهم بمثل هذا الصدق الفياض، وبهذا النفس التربوي الراقي الذي تتمتع به الأستاذة، يتحول اللقاء إلى لحظة إنسانية عميقة، يشعر فيها التلاميذ أن الأدب ليس بعيدا عنهم، وهم ينظرون إلى الأستاذ ياسين أمامهم ككاتب كبير ،كقدوة حية، وأن الكاتب، أي كاتب، ليس اسما غامضا يكتب على غلاف رواية أو كتاب أو قصة، بل إنسان كما أكد لهم ياسين ذلك ،بدأ حلمه ورحلته طفلا، من مقعد دراسي يشبه مقاعدهم .
بين أخذ الصور التذكارية، وبريق الذكاء المنبعث هادئا من أعين هؤلاء الأطفال، كان واضحا في نهاية اللقاء أن الأثر الحقيقي لهذا النشاط التربوي لن ينتهي بانتهاء اليوم الدراسي. فقد نجحت الأستاذة المشرفة على النادي ، وضيفها الروائي الكبير ياسين گني، في أن يزرعا داخل نفوس هؤلاء الأطفال بذرة صغيرة؛ بذرة حب القراءة، التي تملك وحدها القدرة على مقاومة القحط من أجل صناعة الحياة من جديد .

