Site icon الأحداث المغربية – Alahdat

كان يا ما كان… آسفي ☆دادا الياسمين☆

الأحداث✍️الدكتور سعيد لقبي

إنه شيء من الحنين
ليس ذلك الحنين الجامد، حنين البطاقات البريدية النمطية المكرورة، بل حنين أكثر كثافة، كان يتنفس في بخار الحمّامات — حيث تهمس الأجساد بلا كلمات، وحيث تُكتب الذاكرة، أحيانًا كوشم، على الجلد ذاته

ذلك آسفي ينتمي إلى زمن مفصلي،
يمتد بين دخول لمريكان — إنزال الأمريكيين سنة 1942 خلال عملية “تورش”، كما أنشده الحسين السلاوي — وسنة 1953 الثقيلة، سنة نفي السلطان محمد الخامس

بين هاتين اللحظتين، كانت آسفي تتمايل دون أن تنكسر
الحداثة تلوح في الأفق، لكن العوالم القديمة ما تزال صامدة
وهو أيضًا زمن بدأت فيه الدلاء الخشبية تفسح المجال لأخرى أقل أناقة، لكنها أكثر نفعًا، مصنوعة من إطارات معاد تدويرها — علامة خفية على عالم في طور التحول

في زقاق صغير بدرب قنصو فرانسيس، متوارٍ في طيات المدينة العتيقة، كان يقع حمّام بريك — أو لمزوق كما تسميه العارفات
قبالة بيت خالي الكبير سي كبور وزوجته الكريمة للا مينة. وعلى مقربة، نزولًا نحو درب النجارة — حيث وُلد إدمون عمران المالح — عبر ﺍﻟجامع ﺍﻟصغير، كانت دكاكين عميّ من جهة الأب: سي مبارك الصارم، وسي أحمد بطيبته المعدية

رحمهم الله جميعًا

كان المكان يكاد يكون غير مرئي للغريب، لكنه مركزي لمن تعرفه
لم يكن يُدخَل إليه، بل كان يُعرَف فيه المرء

عند المدخل، كانت للا فاطنة تسهر. قليلة الكلام، لكنها سيدة المكان
جالسة على حصيرها فوق حُصُر القصب، تمثل سلطة هادئة
بنظرة واحدة، كانت تقرأ الانتماءات، وتفك شفرات الأنساب، وتقيم البيوت من طريقة دخول نسائها

فهنا، كل شيء علامة

في خمسينيات القرن الماضي، لم يكن الذهاب إلى الحمّام مجرد نظافة، بل طقسًا اجتماعيًا، ومسرحًا منظّمًا بعناية
خروجًا يُحضَّر له، يكاد يكون احتفاليًا
كانت النساء يصلن بحقائبهنالشانطا)، حيث تُطوى الأغراض بعناية، وكل قطعة قماش تروي تربيةً ومكانةً و

كان الغسيل لغة
عدد عقد الحزمة رمز
والجهاز خطابًا صامتًا

في هذه الرقصة الخافتة كانت تُصاغ المصائر
تحالفات في طور التشكل، سمعة تُبنى، ووعود نصف معلن.

ثم يأتي البخار

يُغمر كل شيء، يمحو الفوارق، ويعلّق الزمن
في العتمة الرطبة، تنفك الأجساد، تلين الأصوات، وتولد اجتماعية أخرى — أكثر حميمية، وأكثر عمقًا

كان الحمّام مؤسسة نسائية حقيقية
فضاء لتنظيم العلاقات، وتداول الأخبار، ونقل الأعراف بشكل ضمني

في قلب هذا العالم، كانت تتحرك شخصية محورية
دادا الياسمين

بشرتها تحمل ذاكرة الأراضي الإفريقية جنوب الصحراء،
أما يداها فتنتميان إلى آسفي
لم تكن مجرد مُدلِّكة، بل كانت سلطة الجسد، وسيطة بين الحميمي والاجتماعي، حافظةً لطقوس عتيقة

تحت يديها، كانت كل امرأة تستعيد سيادتها، ولو للحظات

كانت تعرف الأجساد كما يعرف آخرون الحكايات
لكل بشرة علاجها: حجر خفاف خشن أو أداة خشبية مربوطة، حركات دقيقة متكررة — خريطة كاملة للجسد

لكن، وراء الحركة، كانت هناك الكلمة
اعترافات، ضحكات مكتومة، وصمت بليغ

كان الحمّام أيضًا أرشيفًا حيًا

كان المكان يقوم على منطق بسيط
خزّانان كبيران —ﺗﻔﻀﻨﺔ— أحدهما للماء الفاتر، والآخر للماء الساخن
كل واحدة تُركّب حرارتها كما تضبط مزاجها، كما تفاوض العالم

ثم هناك النار

غير مرئية للنساء، لكنها قلب كل شيء
في بيت النار، كان محمﺎد، مول الفرناتشي، يحافظ على الحرارة بتنظيم فطري، يكاد يكون حدسيًا

كان الوقود يأتي من بعيد: نباتات تُجلب من أراضي سيدي مكدول على ظهور الجمال
والنار نفسها كانت تُسخّن أفران الفخّارين خارج باب الشعبة

وهكذا، دون وعي، كان الجسد والأرض والحِرفة يشتركون في طاقة واحدة

هنا، ربما، تكشف آسفي عن حقيقتها العميقة
ليست مجرد مدينة، بل ﻣﻜﺜﻒ

ثقافي تتداخل فيها المكونات
العربية الإسلامية، الأمازيغية، الإفريقية جنوب الصحراء، الأندلسية، السفاردية، والأوروبية

عالم مصغّر — ليس مجرد فكرة، بل واقع معيش
little Morocco“مغرب صغير” كان موجودًا قبل أن يُسمّى

وكان الحمّام أحد أرقّ مسارحه
مكان لا تتصادم فيه هذه الطبقات، بل تتشابك في الحركات والروائح والطقوس

حول هذا الطقس، دارت الأشياء
الدلو المعدني،ﺍﻟﺴﻂﻞ
الإناء النحاسي،ﺍﻟﻂﺎﺳﺔ
الغاسول،
الصابون البلدي،
أحجار الخفاف،
خلطات العطار من الحناء والقرنفل ومساحيق نباتية ومعدنية

تجميل قديم — بين العناية والذاكرة والحيلة.

حتى الدفع كان اقتصادًا آخر
نقود قليلة أحيانًا، لكن غالبًا هدايا — قطعة سكر، ويفضل أن تكون مختومة بصورة النمر

اقتصاد علاقة أكثر منه تبادلًا،
حيث تختلط التضامن بمنافسة خفية
من صاحبة البيت الأفضل؟
من الأجدر بالضيافة؟
من تجسد شرف الدار الكبيرة؟

ودادا الياسمين، دون أن تخون، كانت تنقل كل شيء.
ذاكرة متنقلة، أرشيف حي، صوت بلا كتابة

فماذا تكون حياة امرأة آسفية دون الحمّام؟
دون تلك اللحظة التي يتحرر فيها الجسد، وتتحرك الكلمة، ويُعاد تشكيل المجتمع بعيدًا عن الأعين؟

اليوم، ربما ما زالت الجدران قائمة
وربما ما زال الماء يجر.

لكن ذلك العالم — عالم البخار الذي كان يصنع المجتمع — لم يختف تمامًا

لقد تحوّل

ما زال يعيش في الحركات الموروثة، في الكلمات غير المكتملة، في الذاكرة التي تأبى الزوال.

يكفي أن نغمض أعيننا لنسمع خرير الماء، ونشم رائحة الصابون البلدي ممزوجة برائحة الحطب المحترق —
ونلمح، في الضباب الدافئ، ظل دادا الياسمين

ليس كذكرى تتلاشى،
بل كذاكرة تُصرّ —

وتستمر، في صمت، في صناعة المجتمع

Exit mobile version