
الأحداث بقلم✍️ محمد اعويفية
بعد الشريط المتداول عبر الوسائط الاجتماعية، وما يقع اليوم بإحدى الثانويات هنا بآسفي، لم تعد ظاهرة التطاول وافتراء الأكاذيب على المعلم من قبل بعض الآباء وبعض التلاميذ حالات معزولة تروى هكذا على الهامش، بل أضحت سلوكا مقلقا يتكرر داخل الفصول الدراسية وخارجها، ويروج لها للأسف مجانا في بعض المواقع. هذا المشهد يعكس خللا عميقا في المجتمع وفي منظومة قيمه، وليست أزمة داخل المدرسة فقط. فحين يفقد المعلم هيبته، تخسر البلاد أهم ركيزة يبنى عليها مستقبلها ومجدها ككل.
إلى عهد قريب، كان المعلم يحظى بمكانة اعتبارية خاصة، تجسدها نظرة التقدير من الأسر قبل المتعلمين. أما اليوم، فقد صار المعلم هدفا سهلا للتشهير وللانتقاد الجارح، بل وأحيانا للإهانة الصريحة. تلميذ يتحدى ميثاق القسم ويبث الفوضى، أو ولي أمر يقتحم المؤسسة محتجا بطريقة غير لائقة، أو يفتري الكذب ويلفق التهم بمدرسة بأكملها عبر موقع إعلامي يبحث عن المشاهدات؛ كلها ممارسات تضعف سلطة المدرسة وتفرغ العملية التعليمية من معناها التربوي.
هذا التطاول لا يمكن فصله عن التراجع الذي تعرفه منظومة القيم، وغياب التربية على الاحترام داخل بعض الأسر، إضافة إلى صورة نمطية سلبية تروج عن المعلم، سواء عبر بعض وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي. كما أن غياب قنوات تواصل فعالة بين الأسرة والمؤسسة التعليمية يزيد من حدة سوء الفهم، ويحول أي خلاف بسيط إلى مواجهة مفتوحة.
الأخطر من ذلك أن التلميذ، حين يرى والده يهاجم معلمه أو يقلل من شأنه، يكتسب بشكل غير مباشر شرعية التمرد على كل القوانين المنظمة للحياة، ويترسخ لديه شعور بأن المعلم ليس إلا خصما يمكن تحديه، وليس مربيا يجب احترامه وتقديره. وهنا تتحول المدرسة من فضاء للتعلم إلى ساحة صراع، تضيع فيها الرسالة الأساسية للتعليم.
غير أن تحميل المسؤولية لطرف واحد فقط سيكون أمرا مجحفا؛ فإعادة الاعتبار للمعلم تتطلب جهدا جماعيا من الأسرة، التي يجب أن تغرس في أبنائها قيمة الاحترام، ومن المؤسسة التعليمية، التي ينبغي أن تعزز جسور التواصل مع الآباء، ومن الحكومات، التي عليها أن يعيد النظر في سياساتها إلى مهنة التعليم، و تضمن للمعلم كرامته المادية والمعنوية.
الدفاع عن المعلم ليس دفاعا عن شخصه فقط، بل عن المدرسة ككل، وعن مستقبل بلاد بأكملها. فالمعلم الذي يهان اليوم لن يستطيع أن يربي مواطنا صالحا و مسؤولا غدا. مكانته وقيمته، التي لم تصن في القسم، تفقد كل الأمل في بناء مجتمع متوازن.
فكيف نطالب المعلم اليوم بأن يزرع القيم في نفوس المتعلمين، ونحن نسمح بأن تسلب منه أبسط هذه القيم أمام هؤلاء المتعلمين أنفسهم؟