Site icon الأحداث المغربية – Alahdat

قراءة بسيطة في الفلم التربوي “الواد مكانش رحيم” للمخرجة زينب الصابر

الأحداث بقلم✍️ محمد اعويفية

«الواد ماكانش رحيم» فيلم تربوي أخرجته الأستاذة المتألقة زينب الصابر، لتشارك به في دورة أبريل الرابعة لمهرجان آسفي للمدارس 2026، الذي تنظمه جمعية سيني ساف Safi Ciné School، بشراكة مع المديرية الإقليمية لآسفي، وبتعاون مع OCP ومديرية الشباب والثقافة والتواصل ومتدخلين آخرين.

الفيلم يحمل شحنة بصرية وإنسانية قوية لامست العاطفة والوجدان، واختزلت في مدة العرض القصيرة قصة كاملة عن الطفولة، عن المسؤولية، وعن واقع اجتماعي قاس باتت تعيشه غفران بطلة الفيلم بعد كارثة الفيضان الذي ضرب آسفي في الأحد الأسود.

لم يحتج الجمهور الحاضر في قاعة مدينة الثقافة والفنون إلى الكثير من الوقت أو الشرح حتى يصله الصدى؛ فجرأة الطرح، وصدق المعالجة في تناول الفيلم، كلمات الأغنية، الأداء الرائع، واللحن الشجي، صورة الأطفال الصغار بملابس متسخة، يحملون أدوات تنظيف داخل فضاء مهمل ومتهالك تغمره المياه والأوحال، كلها عناصر جعلت الأثر يصل مباشرة إلى القلب قبل العقل .

هذا القرب من الحقيقة، بتحولاتها المتسارعة والآلام التي تحملها، كان كفيلا بأن يجعل هذا الجمهور يعيشها من جديد بكل تفاصيلها، يتفاعل ، و يصفق باكيا لمدة طويلة. فهذه الصورة لا توثق لحظة عمل فقط، بل تكشف ببساطة صادمة، بعيدة عن التكلف والمبالغة، واقع أطفال في عمر اللعب والتعلم، جعلتهم نكبة الفيضان يتحملون أعباء تفوق طاقتهم، وكأنهم مجبرون على تنظيف واقع ليسوا مسؤولين عن اتساخه. دافعهم الوحيد إعادة صديقتهم اليتيمة إلى رحاب مدرستها إدريس بناصر بعد فقدانها الأمل بموت والدها غرقا .

العنوان «الواد ماكانش رحيم» يفتح باب التأويل على مصراعيه؛ فهو يوحي ببراءة الطفولة التي لم تمنح فرصة لتكون نقية أو سليمة، وربما يشير إلى واقع لم يترك له مجال ليبنى بشكل صحيح منذ البداية. إنه عنوان بسيط في لغته، عميق في دلالته، ينسجم مع أحداث الفيلم التي تعكس خللا بنيويا في المحيط الاجتماعي لهؤلاء الأطفال .

الديكور، وتجسيد الأدوار، وتعبيرات الوجوه بالذات، تستحق الوقوف عندها: نظرات حادة، فيها شيء من التحدي، وأيضا الكثير الكثير من التعب. بعضهم ينظر مباشرة إلى الكاميرا، كأنه يوجه رسالة صامتة: «نحن هنا، وهذا واقعنا». أما البطلة، فيبدو على ملامحها الاستسلام أو الحيرة، ما يعكس تنوع ردود الفعل النفسية تجاه وضع مفروض عليهم جميعا.

الفيلم أيضا نجح في استثمار عناصر بسيطة المكنسة، الماء، الجدران المتآكلة، و أواني الفخار لخلق لغة سينمائية بريئة وصادقة، بعيدة عن التجميل أو الزيف والتصنع. كل شيء فيه يبدو حقيقيا، وربما هذا ما يمنحه القوة والقبول : أنه لا يحاول إخفاء القبح، بل يضعه في الواجهة لتنبعث منه الحياة مرة أخرى بعد أن وأدها الواد اللعين .

ضمن سياق المشاركة في مسابقة سينما آسفي للمدارس، يبدو هذا العمل أكثر من مجرد تجربة فنية مدرسية؛ إنه فعل نقدي ووعي مبكر بقضايا المدينة التي ولدتها الكارثة. اختيار موضوع كهذا يدل على حس تربوي عميق، وعلى رغبة في استخدام السينما كأداة للتعبير والتغيير، لا فقط للترفيه.

هذا الفيلم يفتح نقاشا حول الطفولة، والمدرسة، والعدالة الاجتماعية. إنه دعوة للتأمل، وربما أيضا دعوة للتحرك، حتى لا يبقى الواد كما هو … دون إصلاح.

Exit mobile version