Site icon الأحداث المغربية – Alahdat

الأرض و السماء العليا : العالم بعيون يامنة و أورين و صديقَيْهما.. بقلم الكاتب فاضل مانس

الأحداث✍️

في عملٍ أدبيٍّ جديد يمزج بين الخيال الشعري والتأمل الحضاري، يفتح الكاتب فاضل مانس أبواب رحلة فكرية وإنسانية عبر فضاءات البحر الأبيض المتوسط، من فاس إلى القدس، مروراً بمدنٍ وأمكنةٍ تختزن ذاكرة التاريخ وتنوع الثقافات. في ديوانه “الأرض والسماء العليا: العالم بعيون يامنة وأورين وصديقيهما” تتقاطع حكايات أربعة شبان جمعهم حب المعرفة وروح الاكتشاف، ليجعل من أسفارهم تأملاً في معنى الإنسان وقيم التعايش والسلام.
في هذا الحوار مع جريدة الأحداث الإلكترونية، يكشف الكاتب عن خلفيات هذا العمل، وعن رمزية الأمكنة والشخصيات التي تحضر في رحلته الأدبية، كما يضيء الرسائل الإنسانية التي يحملها ديوانه إلى القارئ. 

 
الاحداث : ما مضمون ديوانكم الجديد ؟ 
ف.م: في باريس حيث تجمعهم الدراسة،  تتعرف يامنة المنحدرة من فاس على أورين من القدس و لورا من بلدة صغيرة نورماندية و استيبان من ضواحي قرطبة :  أربعة شبان في مقتبل العمر، من خيال الشاعر و إبداعه، تربطهم علاقات قوية من الحب و الصداقة، يقررون القيام بسفر استكشافي و معرفي عبر حوض البحر الأبيض المتوسط. فحيثما توقفوا في سفرهم الطويل دوَّن الشاعر على ألسنتهم أحاسيسَهم و حكاياتهم عن المكان المُزار، رمزيته، تاريخه، رموزه التاريخية أو مايخالجهم من مشاعر من هيبة المكان 
 
الاحداث : ما المقصود من هذا السفر الطويل ؟ 
ف.م: يبدأ السفر من مدينة فاس و ينتهي في مدينة القدس، كلاهما مدينتان غني تاريخهما و مهدان لحضارتين قديمتين تحملان في طياتهما قِيَم السلام و التعايش و المحبة و قبول الآخر. يحمل الرَّحَّالون الاربعة جميعُهم الحلم نفسه و هو بناء مستقبل يضم الجميع بلا إقصاء بسبب اعتقاد أو جنس أو لغة، حلم الأخوة و المحبة من أجل بناء الانسان 
 
الاحداث : لماذا فاس و القدس ؟ 
ف.م: كلاهما مرآة للقدس السماوية بالمعنى الأزلي الذي تحمله الكتب القديمة، رمزان لكونية الانسان و عالميته حين يرتفع بنفسه في سماء المعرفة و اليقظة الفكرية و سمو الروح، الانسان العالمي الكامل في إنسانيته، الذي لا تعرف الكراهية أو التطرف أو الإقصاء سبيلا إلى قلبه و لا إلى فكره و لا إلى أفعاله. بل كله محبة و نفع للانسانية جمعاء، يبني و لا يهدم، يخلق و لا يدَمِّر، يحتوي و لا يُقصي، يحب و لا يكره، جسده في الارض و روحه في السماء. و هذا الانسان هو في سفر دائم لا ينقطع، ينتقل من كمال إلى كمال، حيثما حط الرحال تشرَّب من خير محطته. هكذا حياته و مساره ما بقي في هذا العالم 
 
الاحداث : ما هي الأماكن المغربية التي توقف عندها الشبان في أسفارهم و الشخصيات التاريخية التي ٱلتقوها ؟ 
ف.م: بدأ السفر من فاس و من ثم عرَّج الطلبة الأربعة على السمارة في الصحراء المغربية ثم مراكش فالصويرة و آسفي و مكناس و الدار البيضاء و الرباط و شفشاون و تطوان و أخيراً طنجة. في كل مكان، كان اللقاء مع شخصيات مغربية تاريخية تركت أثرها في التاريخ الوطني و العالمي كالسلطان محمد الثالث حيث استحضر الشاعر اعتراف المغرب، و هو آنذاك قوة عالمية، في عهده باستقلال الولايات المتحدة. من هذه الشخصيات أبناء زميرو السبعة في مدينة آسفي ثم الحبر الصالح حاييم بنتو من الصويرة و الشيخ ماء العينين من السمارة و دوره في تشييد هذه المدينة الروحية و زاويتها بإيعاز و مباركة من سلاطين المغرب و في مدينة تطوان يلتقي شبابنا بواحد من كبار رجالات التصوف، أحمد بن عجيبة، الذي أثْرَى الأدب الصوفي العالمي بكثير من المؤلفات النوعية في المعرفة اللَّدُنِيَّة 
 
الاحداث : ماذا عن بقية الرحلة ؟  
ف.م: بعد المغرب طار أبطالنا الى القارة الاوروبية ثم شمال افريقيا فالشرق الأوسط  بين عدد من المدن و المناطق حيث توقفوا في أماكن تاريخية بعضها ذو حمولة رمزية كروما في زيارتهم لكاتدرائية القديس بطرس و لاڤاليت عاصمة مالطا في لقاء مع الرسام لو كاراڤاج ذي الشخصية الفريدة من نوعها و الذي طبع بشكل كبير فن الرسم الكلاسيكي في أواخر القرن السادس عشر كما توقفوا في مناطق أوروبية كانت شاهدة على مآسي كبرى و جرائم ضد البشرية زمن الحرب العالمية الثانية كأوشويتز. و في شمال افريقيا و الشرق الأوسط كانت مدن جربة و القاهرة و وادي رم و حيفا و مناطق أخرى عديدة على موعد مع هذا الاستكشاف 
الاحداث : ما هي الرسائل التي يمكن استنباطها من هذا المؤلَّف ؟ 
ف.م: رسائل عديدة أهمها أن مستقبل البشرية يبنيه شبابها. فمتى استَقوَوْا بالعلم و المعرفة و متى كان أفقهم واسعا يقبل الجميع ومتى كان عدوهم الحصري الجهل و التطرف و الظلام بكل أشكاله و متى نبذوا الكراهية و الإقصاء بسبب المعتقَد أو الجنس أو القومية و متى اتخذوا العقل مناراً لهم متحريرن من قيود التخلف إلا و كان هذا المستقبلُ حتماً مشرقاً و استطاعوا بناء عالَمٍ تغمرُه المحبة و الوئام و المساواة 
 
الاحداث : في الصفحات الأولى من الديوان نقرأ إهداءً الى والدتكم، ما دلالة ذلك ؟ 
ف.م: هذا الكتاب في بعض جوانبه ظلال و تجليات لوالدتي في قيمها و نبلها و أخلاقها و رُهفِ حِسّها، كأن مشيئتها طابقت مشيئة الأقدار في أن يكون آخرُ عهدها بهذا العالم هذه التعابير الشعرية التي استوحَيْتُها من أيامها الأخيرة. بشكل عام، كلما تناولتُ مواضيع تخص المرأة و إلا كانت رحمها الله حاضرة بشكل أو بآخر في مخيلتي إذ كان لها كبير الأثر في بِناءَيَّ الفكري و الوجداني. كانت امرأة تُخفي خلف بساطتها الظاهرية فهما عميقا لما يدور حولها و لطبائع الناس دون أن تسمح لنفسها يوماً أن تُبَخِّس من قيمة أيٍّ كان، بل تحاول أن تتعلم دائما ممن حولها و من الأحداث في تواضع جَم، لا تخدعها المظاهرُ البراقة و لا زخارفُ الأشياء و ترفُها. كان ظاهرها كباطنها في سمُوِّ الأخلاق و نُبْل المشاعر، في قناعة قلبية تُلامسُ الزهد. ككثير من نساء جيلها بل و حتى من الأجيال بعدها عانت من العقلية الذكورية السائدة في مجتمع مليء بالتناقضات و حبيس نفاق بِنيوي و مرَكَّب تُجاه المرأة. و مع ذلك، بقيت صامدة طوال حياتها، غير آيسة من التطور و التغيير اللذين لابد أن يفرضا نفسيهما و ينتصرا على الجمود و التخلف. فهي لكل ذلك مثالٌ يُحتذى، لمن عرفها، و منهجٌ يُتَّبَع و مصدرُ إلهام. فطوبى لمن لازمها و صحِبَها و انتفع بصحبتها. كانت على فراش مرضها الأخير حين أتممتُ مؤلَّفي هذا فشاءت الأقدار أن لا تراه في عالمنا هذا و لكن لا شك عندي أنها تطالعه الآن من سمائها العليا و علامات الرضا على مُحيَّاها. فرحمةُ الله عليها في الخالدين، راضيةً مرضيّةً، و سلامٌ عليها يوم وُلِدت و يوم ماتت و يوم تُبْعَث حيَّة.  

Exit mobile version