Site icon الأحداث المغربية – Alahdat

اللقاء التشاوري حول التنمية الترابية المندمجة بورزازات: نحو رؤية ملكية لإقلاع تنموي شامل”

الأحداث✍️بقلم عبد الصمد بوطالب فاعل مدني
في رحاب قصر المؤتمرات بورزازات، انعقد لقاء تشاوري رفيع المستوى حول إعداد برنامج التنمية الترابية المندمجة لإقليم ورزازات، ترأسه السيد عامل صاحب الجلالة على الإقليم، بحضور السادة المنتخبين، ورؤساء المصالح الخارجية، والفعاليات السياسية والمدنية والجمعوية. هذا اللقاء، الذي يندرج في إطار التنزيل الترابي للتوجيهات الملكية السامية، شكل لحظة مفصلية لإطلاق ورش تشاركي يروم بلورة رؤية جديدة للتنمية المحلية الشاملة والمندمجة.
أولًا: لقاء بنَفَس استراتيجي وتنزيل فعلي للتوجيهات الملكية
جاء هذا اللقاء في سياق وطني يتّسم بتسارع وتيرة الإصلاحات الهيكلية الكبرى التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، والرامية إلى ترسيخ مبادئ العدالة المجالية، وتحقيق التنمية المستدامة في مختلف ربوع المملكة، انسجامًا مع مضامين الدستور المغربي لسنة 2011، ولا سيما الفصول التي تنص على الجهوية المتقدمة، وتكافؤ الفرص، والإنصاف في توزيع الثروات والخدمات.
وقد شكلت الكلمة التوجيهية للسيد العامل خارطة طريق دقيقة، أكدت على أن التنمية المنشودة لإقليم ورزازات يجب أن تنبني على رؤية تشاركية قوامها الالتقائية، والتكامل، والنجاعة، عبر إشراك كل القوى الحية في الإقليم، من منتخبين ومجتمع مدني وفاعلين اقتصاديين وثقافيين، من أجل صياغة تصور جماعي متكامل يترجم انتظارات الساكنة في مختلف المجالات.
ثانيًا: ورزازات بين الموروث الحضاري ورهانات الإقلاع التنموي
إقليم ورزازات، بما يزخر به من مؤهلات طبيعية وثقافية وسياحية وبشرية، مؤهل لأن يتحول إلى نموذج تنموي متوازن على الصعيد الوطني. فالإقليم لا يُعد فقط “هوليود إفريقيا”، بل هو كذلك مجال حضاري أصيل يحتضن تراثًا لاماديًا غنيًا كفن أحواش، وشبكة من القصبات التاريخية، وحرفًا تقليدية متجذرة في عمق الذاكرة المغربية.
إن استحضار هذه الخصوصيات الثقافية في أي برنامج تنموي ليس ترفًا فكريًا، بل هو شرط أساسي لإنتاج تنمية منبثقة من الهوية المحلية، قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل، وتثمين الرأسمال اللامادي الذي يمثل أحد أعمدة النموذج التنموي الجديد الذي دعا إليه جلالة الملك.
ثالثًا: المنهجية التشاركية وإرساء حكامة التنمية
أكد السيد العامل في كلمته على أن إعداد برنامج التنمية الترابية المندمجة لن يكون عملاً فوقيًا، بل مسارًا تشاركيًا مفتوحًا يتيح لكل الفاعلين الإسهام في صياغة المقترحات والأولويات.
وقد أعلن عن إحداث لجان محلية على مستوى الجماعات القروية، لتمكين الساكنة وممثليها من تقديم تصوراتهم حول حاجياتهم التنموية الفعلية، إضافة إلى تخصيص بريد إلكتروني رسمي لاستقبال الملاحظات والمشاريع والمبادرات من مختلف الفاعلين.
إن هذه المقاربة التشاركية تجسد روح الفصل 136 من الدستور الذي ينص على أن “التنظيم الترابي للمملكة يقوم على مبادئ التدبير الحر، والتضامن، والتعاون، والتشارك بين الجهات والجماعات الترابية.”
وهي خطوة عملية لترجمة مبدأ العدالة المجالية الذي ما فتئ جلالة الملك يؤكد عليه في خطبه، باعتباره مدخلًا لإعادة التوازن التنموي بين المركز والأطراف.
رابعًا: نحو رؤية متجددة للإقلاع التنموي بإقليم ورزازات
إن النجاح في هذا الورش يقتضي بلورة رؤية إقليمية متكاملة قوامها:
تحفيز الاقتصاد المحلي عبر تشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتثمين القطاعات الواعدة كالسياحة المستدامة والصناعات الثقافية.
تطوير البنيات التحتية والخدمات الأساسية في العالم القروي لرفع العزلة وتحقيق الإنصاف المجالي.
إدماج البعد الثقافي والبيئي في كل المشاريع التنموية، باعتبارهما عنصرين جوهريين لتحقيق التنمية المستدامة.
تأهيل الرأسمال البشري من خلال دعم التعليم والتكوين المهني وإدماج الشباب والنساء في الدورة الاقتصادية.
بهذه المقاربة، يمكن لإقليم ورزازات أن يتحول إلى مختبر جهوي للتنمية المندمجة، وإلى نموذج يحتذى به في تدبير الشأن الترابي وفق رؤية ملكية استباقية تربط بين البعد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
خامسًا: نحو ميثاق ترابي للتنمية المندمجة
إن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من التشاور إلى التخطيط العملي، ومن التوجيه إلى التنفيذ الميداني، عبر وضع ميثاق ترابي للتنمية المندمجة، يتضمن التزامات واضحة بين مختلف الشركاء (السلطات المحلية، المجالس المنتخبة، القطاع الخاص، والمجتمع المدني)، مع تحديد مؤشرات دقيقة للتتبع والتقييم.
فورزازات، بما تمتلكه من موقع استراتيجي وطاقات بشرية وبيئية، مرشحة لأن تكون قاطرة للإقلاع التنموي في الجنوب الشرقي للمملكة، شرط أن تتوحد الإرادات، وأن تُترجم هذه اللقاءات التشاورية إلى مشاريع واقعية ملموسة تلامس حياة المواطن وتعيد الثقة في العمل العمومي.
إن اللقاء التشاوري الذي احتضنه قصر المؤتمرات ليس مجرد محطة إدارية، بل هو إعلان عن انطلاق مرحلة جديدة من التفكير الجماعي في مستقبل ورزازات، تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي جعل من التنمية الترابية المتوازنة ركيزة أساسية لبناء مغرب جديد، قائم على العدالة والكرامة والمواطنة الفاعلة.
ومن هنا، فإن نجاح هذا الورش رهين بقدرتنا على تحويل التشاور إلى تخطيط استراتيجي تشاركي، وتحويل الرؤية إلى مشاريع مجالية مندمجة تعكس خصوصية ورزازات وتستجيب لطموحات أبنائها في مستقبل أفضل.
Exit mobile version