الأحداث✍️بقلم: عبدالهادي بودى مدير مؤسسة تربوية – وباحث تربوي ومتابع للشأن التعليمي
منذ إعلان وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة عن تجربة “المدارس الرائدة” في إطار تنزيل خارطة الطريق 2022–2026، بدا أن المنظومة التربوية تتجه نحو محاولة تجويد التعلمات الأساس وتقليص نسب الهدر المدرسي وتحسين كفايات التلاميذ.
لكن بعد ثلاث سنوات من انطلاق التجربة، تتكشف عدة مفارقات تربوية وبيداغوجية، بعضها تنظيمي وبعضها متعلق بتنزيل غير متكافئ ولا منصف، خاصة في ظل استثناء المدارس الخصوصية من الالتزام بهذه التجربة، وتوجيه مجهودات الأساتذة نحو المتعثرين فقط على حساب المتفوقين، مما تسبب في نزوح جماعي نحو القطاع الخاص.
1. المنطلقات النظرية: خمس ركائز وعشرة أسئلة
مبادئ “المدارس الرائدة” المعلنة تنبني على:
الانخراط الطوعي، الالتزام، التحفيز، التكوين المستمر، التقويم الموضوعي.
كما تَعِد بتطبيق مداخل حديثة مثل “طارل”، التدريس التخصصي، والممارسات الصفية الناجعة، وكلها توجهات محمودة نظريًا.
لكن واقع التطبيق لا يجيب عن أسئلة جوهرية:
لماذا تُعفى المؤسسات الخصوصية من الالتزام بها؟
من يحمي التلميذ المتفوق من الإهمال البيداغوجي؟
أين الإنصاف المهني حين ترتبط المنح بمعايير غير شفافة؟
وهل المدرسة العمومية مؤهلة فعلًا لاحتضان إصلاحات لم تُبْنَ على توافق مجتمعي ومهني؟
2. بين الإيجابية النظرية والتعثر العملي
تحققت بعض المكتسبات الملموسة:
تعميم التجهيز الرقمي على عدد من المؤسسات.
تدريب الفرق التربوية على أدوات التشخيص والمعالجة.
توفير موارد بيداغوجية جاهزة (روائز، جذاذات، مساط وغيرها).
لكن في المقابل:
لا تزال الهوة شاسعة بين التصور والتنزيل.
التكوينات تتم في العطل وتُقابل بمقاومة مهنية مفهومة.
المتفوقون في الفصول أصبحوا خارج أولويات المشروع، مما يثير نقاشًا بيداغوجيًا حقيقيًا حول مبدأ الإنصاف.
3. غياب إلزام التعليم الخصوصي: ضرب لمبدأ تكافؤ الفرص
أحد أبرز الإشكالات المقلقة هو أن المدارس الخصوصية غير مُلزمة بتجربة الريادة، مما جعلها تتحول إلى ملجأ مفضل للأسر الباحثة عن تعليم مستقر لأبنائها المتفوقين.
وفي الوقت الذي تُحاصر فيه المدرسة العمومية بروائز “طارل” وتركيز مفرط على الدعم التعويضي، تستقبل المدارس الخصوصية أبناء النخبة التعليمية والمتفوقين ممن أرهقهم تذبذب المقاربات داخل التعليم العمومي.
هذا التفاوت يُغذي نزوحًا غير متوازن نحو التعليم الخصوصي، ويكرس انقسامًا طبقيا في فرص التعلم، ويضرب مبدأ الإنصاف الذي يُفترض أن تناضل من أجله خارطة الطريق.
4. تركيز الجهود على المتعثرين: فخّ بيداغوجي مزدوج
المنطق البيداغوجي الذي يقوم على استهداف المتعلمين المتعثرين عبر التشخيص والمعالجة ضروري، لكن المشكلة تكمن في:
تحويل القسم إلى ورشة دعم فقط، دون رعاية التلاميذ المتفوقين أو منحهم فرص التميز.
تغييب ثقافة التحدي والنبوغ داخل الفصول، مما أضعف الحافزية لدى فئة من التلاميذ المجدين.
شعور الأسر بأن المدرسة العمومية لم تعد تهتم إلا بالحد الأدنى من الكفايات، لا بصناعة التفوق.
والنتيجة: نزوح متسارع للتلاميذ المتفوقين نحو الخصوصي، وتحميل إضافي للأساتذة الذين يجدون أنفسهم مطالبين بإنقاذ الضعفاء دون أن يكونوا مدعومين بمنهجية منصفة أو زمن كافٍ.
5. توصيات تربوية للإنقاذ قبل التعميم
إلزام القطاع الخصوصي بمبادئ الإصلاح التربوي الوطني، حتى لا يتحول إلى بديل “محايد” يُفلت من المسؤولية.
ضمان الإنصاف البيداغوجي داخل القسم: لكل تلميذ حاجته، ولكل فئة استراتيجيتها.
إعادة هيكلة التكوينات لتكون مرنة وغير مجهدة، ومبنية على الحاجة لا الإلزام.
تعزيز الحوافز المهنية وليس فقط المالية للأساتذة المنخرطين، من قبيل التقدير المؤسساتي، الأثر الإيجابي، وفرص الترقية.
مأسسة التقييم التربوي بعيدًا عن ضغط النتائج و”علامة الجودة” الشكلية.
خاتمة: هل الريادة ممكنة دون عدالة تربوية؟
المدارس الرائدة ليست تجربة سيئة في جوهرها، لكنها ليست أيضًا وصفة جاهزة للنجاح. إن ما تحتاجه المدرسة العمومية اليوم ليس التنافس الشكلي على المنح أو العلامات، بل عدالة تربوية شاملة تطال كل المتعلمين، وكل المؤسسات، وكل الفاعلين، سواء في العمومي أو الخصوصي.
فما جدوى الريادة إن كان المتفوق يهاجر، والمؤسسة تتألم، والأستاذ يُستهلك، والمدرسة الخصوصية تتنصل؟
الإصلاح الحقيقي لا يكون بالمقاربات المجتزأة، بل بإرادة سياسية واضحة، ومهنية بيداغوجية صادقة، ومساءلة عادلة للجميع.

