الأحداث Alahdat.net
بقلم يوسف بودرهم/باحث في القانون العام والعلوم السياسية متخصص في المجتمع المدني الديمقراطية التشاركية
وأنا أتصفح العالم الأزرق هذا الصباح، إستوقفني مشهد لم أكن أتوقعه ، شاهدت فتاة تعتدي على رجل سلطة في مشهد جعلني أستحضر شريطًا طويل من الأحداث، بعضها تابعته كغيري من أبناء هذا الوطن، في مشاهد وسيناريوهات تبعث على القلق والتخوف ، فطرحت على نفسي سؤالًا تعجُبي في مونولوغ “Monologue” داخلي في صيغته التالية :
إلى أي حد يمكن أن تتطور حرية التعبير دون أن تتحول إلى تجاوز لحدود الاحترام والمساس بهيبة الدولة، وشرخا للنسق الثقافي والاخلاقي للمجتمع المغربي.. !؟
دائما ما أنطلق من كوني رجل قانون، الشيء الذي يجعلني أكثر إدراكًا لحساسية هذا التوازن، والذي يدفعني دائما إلى الايمان أن العلاقة بين السلطة والمجتمع ، يجب أن تؤطرها قواعد واضحة تحمي الحقوق والواجبات في آن واحد، وأن المؤسسات ليست مجرد تنظيمات بيروقراطية، بل هي عماد الدولة، وركيزة استقرارها، وسر استمراريتها عبر الزمن رغم كل التطورات الحداثية.
بمعنى أخر ، فالمؤسسات الدستورية وعلى رأسها السلطات المحلية، ليست مجرد هياكل إدارية جامدة، بل هي عصب الدولة، والضامن لاستقرارها، والمسؤولة عن تنفيذ القوانين وحفظ أركان النظام العام.
من هذا المنطلق، لابد وأن تُفهم في معناها الشمولي، بأنها ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة أو أداة لتنظيم حياة الأفراد وضمان حقوقهم في توازن دقيق بين الحق والواحب في دولة المؤسسات والقانون، وبالتالي، هذا التوازن هو جوهر الدولة الحديثة، كما تتبناه المواثيق الدولية والمبادئ الدستورية و القانونية التي تؤطر علاقة المواطن بالإدارة، وعلاقة السلطة بالمجتمع.
لكن مع التحولات المجتمعية والتطور التكنولوجي الهائل، أصبحت الحدود بين الحرية والإساءة تعرف اتساع للهوة الاخلاقية، خاصة في ظل الفضاءات الرقمية التي تمنح للأفراد منابر مفتوحة للتعبير، دون أن تكون هذه الحرية مقرونة دائمًا بالمسؤولية.
فالدراسات الفلسفية والقانونية علمتنا أن الحرية ليست مطلقة، بل هي مقيدة باحترام الآخرين والمؤسسات والقوانين، كما أن السلطة ليست معصومة من الخطأ، بل هي خاضعة للمحاسبة والمساءلة دائما.
لهذا فالتحدي الذي نواجهه اليوم، لا يتعلق بمجرد حادث عابر ، بل هو سؤال جوهري، عن شكل الدولة التي نريدها..؟وأي دولة نتكلم عنها..؟
عن كيف نوازن بين حق المواطن في التعبير عن رأيه، وبين واجب احترام المؤسسات ورموزها..؟
عن كيف يمكن أن نحافظ على هيبة الدولة دون أن نخلق سلطة متعالية، وكيف نرسخ ثقافة النقد دون أن ننزلق إلى الفوضى؟
وفي ذات السياق، كان أرسطو يقول إن المدينة العادلة هي التي تحكمها القوانين لا الأهواء، وهي ذات الفكرة التي نجد في الثقافة الانسانية السوية عبر التاريخ، بحيث لا تعارض بين احترام المؤسسات وبين الحق في التعبير عن الرأي، بل إن النقد البناء هو الذي يساهم في تقوية الدولة، بينما الفوضى تضعفها وتفقدها هيبتها.
ونافلة القول، فإن النقاش الحقيقي ليس في حرية التعبير في حد ذاتها، بل في كيفية ممارستها في إطار يحفظ كرامة المواطن، ويصون مكانة وهيبة المؤسسات.
فالواجب ليس أن نصمت أمام الأخطاء، ولكن أن نتحدث بلغة كلها إحترام للدولة التي ننتمي إليها، تقديرا للمؤسسات بعيدا عن تبرير الاخطاء،والنقد بأسلوب مسؤول يجعل منها أكثر قوة، لا نبرة فيه للإهانة والمهانة.لأن المسؤولية الملقات على عاثق المثقف اليوم، لا تتجلى فقط في الدفاع عن حرية التعبير، ولكن في ترسيخ ثقافة إحترم الدولة وتقدير مؤسساتها، مع الحرص على أن يكون النقد وسيلة للإصلاح، لا معولًا للهدم.
وبين هذا وذاك، يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين ممارسة الحقوق،والالتزام بالواجبات، في دولة تحترم مواطنيها، ويبادلها مواطنوها نفس الاحترام.

