الأحداث Alahdat.net
مقال رأي/بقلم يوسف بودرهم باحث في القانون العام والعلوم السياسية
لما كان الوسطي المعتدل حاضرًا بوعيه الوطني، مستبشرًا بالإصلاحات الكبرى التي تشهدها العاصمة الرباط، كان من الضروري إبداء الرأي في هذا المسار الحافل بالتقلبات. مسارٌ شهد مواجهة غير معلنة بين فريقين، فرقاء تفرقوا حول مصلحة الوطن، كلٌّ من منظوره الخاص وقراءته للمستقبل. مباراة حامية الوطيس بين مؤيدٍ للإصلاح ومعارضٍ له، وآخر متربصٍ بالأخطاء لتسييس العمل الإصلاحي، سواء من منظور إنساني أو بالتركيز على الشق القانوني وفق رؤية غربية.
وفي هذا السياق، يفرض علينا الواجب الوطني والمسؤولية الملقاة على عاتقنا الإدلاء بكلمة توجيهية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التنمية في بلادنا تتطلب تبني مقاربة متوازنة في تدبير الشأن العام (Gestion des affaires publiques)، قائمة على تعزيز دور الكفاءات البشرية (Compétences humaines) وإشراكها الفعلي في ترشيد العمل الإداري المحلي (Action administrative locale).
فنجاح أي نموذج تنموي يعتمد على تفاعل متكامل يضمن تدفق المعلومات عبر قنوات موثوقة واستثمارها بفعالية لخدمة التنمية، مما يسهم في تطوير مختلف الوحدات الترابية (Unités territoriales).
ويشكل الاستثمار في القدرات البشرية ركيزة أساسية لهذا المسار، باعتبارها المحرك الرئيسي للتنمية، حيث يتجلى ذلك من خلال تسهيل الوصول إلى المعلومات، وتوفير بنية تحتية ملائمة تشجع على مشاركة أوسع للأفراد في صنع القرار المحلي.
وبالتالي، نحن أمام نموذج تدبيري ذكي ومعقلن، يعكس ثمرة جهد مشترك قائم على تعاون فعّال بين مختلف الفاعلين السياسيين و الإداريين، وفق مبادئ التوازن والاحترام المتبادل للاختصاصات. فالعلاقة بين المنتخبين، والإدارة، والمواطنين يجب أن تستند إلى أسس واضحة تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الترابية (Spécificités territoriales) والاجتماعية والثقافية، حيث إن إحداث أي تغيير في المجال الترابي يستوجب استيعاب طبيعة ارتباط الأفراد به، سواء من حيث الانتماء (Appartenance) أو الثقافة (Culture).
وفي هذا السياق، يضطلع صناع القرار بدور أساسي في معالجة القضايا المحلية، مع ضرورة تحديد مسؤوليات كل من السلطة، المنتخب، والمواطن. فباعتبار هذا الأخير المستفيد الأول من السياسات العمومية (Politiques publiques)، ينبغي تمكينه وضمان تفعيل حقوقه بشكل كامل.
إن تبني مقاربة حكيمة لمعالجة التحديات يتيح لجميع الأطراف المعنية، السياسية، الإدارية، والمجتمع المدني، فرصًا لتقديم حلول عملية تخدم المصلحة العامة. فالتدبير الرشيد يشكل دعامة قوية لمواجهة التحديات الراهنة، كما يوفر أساسًا متينًا لصناع القرار لوضع سياسات ناجحة تستجيب لتطلعات المواطنين، وتحقق رضاهم على المدى القصير، المتوسط، والبعيد.

