وفي غياب أية مقاربة تشاركية تجعل من أبناء المدينة طرفاً فاعلا في تأهيلها و تدبير شأنها، لا يمكن الحديث عن حلول ناجعة للمشاكل التي باتت تتخبط فيها منذ فترة، ولعل إعطاء بعض الأمثلة يمكن توضيح الصورة القاتمة التي تغطيها بعض المظاهر الغشاشة التي توهِم الغافل أنه حقا بين أحضان حاضرة المحيط.
إن الصراعات السياسية أو الحزبية التي طال أمدها، و التي صارت و كأنها فصول مسرحية يتابعها البعيد قبل القريب، أضاعت على المدينة فرصاً كثيرة للإصلاح، و جعلتها تتخلف عن ركب التنمية التي لم نشهد منه إلا تطاولا في البنيات، و تشويها في العمران، و ردائة في الخدمات العمومية بقل القطاعات. و لعل غياب المناطق الخضراء، ووضعية المستشفى الإقليمي، وملفات النقل الحضري و الصرف الصحي و النظافة خير شاهد على ما نقول. وهذا راجع إلى غياب أية مقاربة تشاورية بين مختلف مكونات المؤسسات المنتخبة و المجتمع المدني بما تمليه قواعد اللعبة من أغلبية حاكمة، ومعارضة ناصحة، وفاعلين جمعويين قادرين على الضغط بما يَتَقَوَّوْنَ به من إرادة شعبية، و مطالب جماهيرية، والشعب يريد…، و الشعب يطالب…، و اسمع صوت الشعب.
و لا شك أن الخيبة التي أصابت قطاع الرياضة بالمدينة، و المستوى الكارثي الذي باتت تعيش عليه الأندية الرياضية و على رأسها نادي اولمبيك اسفي للكرة المستطيلة، الذي بات عدد من لاعبيه يستجدون قوت يومهم في ظل غياب مكتب مسير و مسؤول، و في غياب إرادة قوية من المسؤولين على النهوض بهذا القطاع الذي باتت التنمية بدونه قطارا من غير عجلات، كل ذلك مرده إلى سيطرة العقلية الإسمنتية الآجورية، التي لا تعرف بعد الدرهم أباً ولا أخاً، والتي حولت المدينة إلى منبتٍ للأبراج، وغيبت عنها أبسط البنيات الرياضية المطلوبة في مدينة مثل أسفي. و طبعاً إذا غاب العقل السليم، غاب معه الوضع السليم، و كذلك الجسم السليم.
إن الجحود الذي قابلته المدينة ممن احتضنتهم بين ذراعيها، و أوصلتهم إلى مراتب لم يكونوا ليحلموا بها، لهو أكبر من أن يكتب في سطور، أو حتى أعمدة، و لا شك أن الكل حزين على فقدان المدينة لمسبحها البلدي الجميل الذي كان يغري زواره صغارا و كبارا و المخيم الصيفي ” Comping” و ايضا مرافق أخرى كدور السينما، و هو استهداف نوعي لهوية المدينة التي بات أهلها يقصدون مدن أخرى قصد الاستجمام و الترفيه.
هذا الاستهداف لم يقتصر فقط على الرياضة و المرافق الترفيهية، و إنما على العديد من خصوصيات المدينة التي بدأ النسيان يطالها حتى من لهجتها، و منها ما هي في طور الفقدان ك ” دار السلطان” و ” قصر البحر” و ” المدينة العتيقة” و … و كأن الأمر مقصود لضرب ما بقي من آثار السياحة بها.
الجحود أيضاً طال حتى الأسماء التي أحبت هذه المدينة، وأعطت الشيء الكثير في سبيل حبهم لها، فلا نجد ولو زنقة تحمل اسم ” الفقيه الهسكوري”، ولا ساحة تحمل اسم ” محمد العبدي الكانوني ”، و لا عن ”محمد بن شريفة” ، ”أحمد بن جلون”، ”الطاهر واعزيز”، ”علال الركوك”، ”التريكي”، ”بن الطيب الوزاني”، ”صالح العبدي”، ”محمد الوديع الأسفي”، ”بوجمعة العمالي”،”التهامي الوزاني”، ”مولاي الطاهر الفلاحي”، ”أم القاسم المرادية”، ”عبد الرحمان المطاعي”، ”مولاي أحمد البوعناني”، ”فاطنة الكبوري”، ”محمد عصفور”، ”محمد الركاب”، ”محمد بن علي المسفيوي”، ”بوزيد الشقوري”، ”البشير الرتيلا”، ولا ”عبد الله الناصري”، و اللائحة طويلة…..
إن كل ما حدث و يحدث و ما سوف يحدث بالمدينة مرده إلى تهاون أهلها، و تقاعسهم في الانخراط في مسلسل التنمية الذي صار مفروضاً على غير مقاسها، و سلط عليها الأضواء من كل جانب، حتى بات العرس في دارهم و هم غير مدعوين، و هذا هو التفريط بعينه، والِّلي فَرّْطْ يْكَرّْطْ.

