الأحداث✍️محمد مرادي.
مرة أخرى يفجع الموت عمال مناجم تويسيت تغزى بإقليم خنيفرة، مرة أخرى تهتز المنطقة لمصرع أحد ابنائها بمغارات الموت ، ومرة أخرى يخطف الموت على حين غرة أحد الباحثين على لقمة العيش في باطن الأرض دون سابق إنذار، لكن هذه المرة وعلى غير العادة، يخطفه بطريقة أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها مروعة، طريقة ألّمت القريب والبعيد، طريقة هزت مشاعر من سمع بها، فكيف بحال من كان شاهدا عليها.
فحسب مصادر الجريدة من قلب منجم سيدي أحمد الذي وقعت فيها الكارثة مساء يوم الأربعاء 25 أكتوبر 2023 حوالي الساعة الواحدة وبضع دقائق بعد الزوال، نزل الهالك رفقة أحد العمال في مصعد معروف لدى العمال باسم “لاكاجيط” الى المستوى التاسع من بئر المنجم على عمق يناهز 500 مترا ليسأل عن أحد زملائه، ولما تبين له عدم تواجده بالمكان المقصود، رجع مسرعا إلى المصعد، إلا أنه وضع قدمه في الفراغ لنزول لاكاجيط دون تنسيق بينه وبين المسؤول عليها، فسمع احدهم صراخه وهو يهوي في الفراغ، فطالب مستخدم المصعد بتوقيف المصعد على الفور، وهو ما تم بالفعل بعدما نزل بحوالي 15 مترا من المستوى الذي كان فيه.
لم يعرف أحد في البداية عدد الموجودين في المصعد، وبعد فترة كانت طويلة على المتواجدين بعين المكان، تراءت لهم إشارة ضوئية من داخل لاكاجيط، فتم إصعادها ليتبين لهم أن بها عامل واحد في حالة يرثى لها أخبرهم قبل دخوله في حالة غيبوبة أنه كان لوحده داخله، وان المسمى حيران محمد هوى في جب المصعد، لينتشر الخبر بسرعة، وتحضر السلطات المحلية ورجال الدرك وممثلو إدارة الشركة وعدد من العمال وممثليهم إلى عين المكان، لمتابعة أطوار البحث عن الهالك عن كتب، والقيام كل من جهته بالمتعين.
إثر ذلك، تم نقل المصاب على وجه السرعة إلى تيغزى المركز، ومن ثمة إلى مصحة بمدينة فاس، وبدأ البحث عن الساقط في الجب، فوجدوا قبعته عالقة بأحد جوانبه، ولما بلغوا قعره على عمق يناهز 250 مترا من المستوى التاسع، أو حوالي 750 مترا من سطح الأرض، وجدوه مليئا بالمياه، وكان لزاما عليهم ضخها ليعثروا بعد ذلك على أشلاء الهالك متناثرة هنا وهناك، ولم يتم جمعها كلها إلا بعد حوالي 7 ساعات من العمل المضنى، أصيب بعضهم خلالها بالغثيان وبعضهم بالصدمة لبشاعة المنظر، وتم وضعها في أكياس بلاستيكية ليتم توجيهها بعد ذلك إلى المستشفى الجهوي بمدينة بلال ليطلع عليها الطبيب الشرعي وفقا للإجراءات المعمول بها في مثل هذه الحالات.
ومساء يوم الخميس الموالي، ووري جثمان الضحية الثرى بمقبرة مريرت، في موكب جنائزي مهيب، حضره حشد كبير من العمال والأهل وعامة المواطنين، يتقدمهم ممثلو السلطات المحلية، والمدير العام المفوض لإدارة شؤون الشركة محليا بعد عزل المدير العام المساعد من هذه المهام لأسباب لم يتم الفصح عنها بشكل رسمي إلى حين
يذكر أنه إذا كان المدير العام المفوض السيد محمد أوريبان، قد رفع منذ حلوله مؤخرا على رأس هذه الشركة محليا شعار السلامة أولا وثانيا وثالثا، بدل شعار سلفه “الإنتاج أولا وأخير” ، فإن العمال يرون أن النوايا الحسنة لا تكفي لتغيير الأمور وضمان سلامتهم، وأن لغة التنبيه والتحذير أثبتت عدم نجاعتها، وأن الأمر يقتضي من بين ما يقتضيه وضع الرجل المناسب في المكان المناسب دون المحاباة في بعض الحالات والضغط في أخرى، بحيث لا ينبغي إسناد بعض المهام لغير المؤهلين لها ولعديمي الكفاءات والتجارب، كما أن الأمر يستدعي تكوين وتأهيل العمال، والعمل على التأسيس للتكوين المستمر لمن في حاجة لذلك، كما يجب العمل على توظيف التقنيات الجديدة التي من شأنها وقاية العمال من الكارثة حتى في حالة حدوث خطأ بشري، فلو كانت “لاكاجيط” مزودة بتقنية تمنعها من النزول أو الصعود في حالة كان بابها أو باب المستوى الذي تقف امامه مفتوحا معمولا بها، ما كان لها أن تنزل في الحالة الراهنة قبل دخول الهالك لها وسد بابها، ولو همّ المسؤول عليها بفعل ذلك.
وللإشارة، فشهيد لقمة العيش هذا، متزوج وأب لخمسة أبناء ، يبلغ من العمر 55 سنة، وكان رحمه الله يستعد للاستفادة من التقاعد في الشهور القليلة المقبلة، إلا أن الله قدر وما شاء فعل، ولأن ما وقع قد وقع، فإن الجميع يرجو ألا تلجأ الشركة مرة أخرى لأساليب تحميل المسؤولية للهالك ، وحرمان ذويه من مستحقاتهم بعد وفاته.

