الأحداث✍️محمد نوري
يُعد “الجهجاه” أحد الثلاثة الذين ذكرهم أبو عمرو الجاحظ في كتاب “البخلاء” مشيرا إلى أن لكل منهم مذهبا خاصا به.
وقد اشتهر الجهجاه بالانتصار للكذب والدفاع عنه، حيث يقول الجاحظ في كتابه إن عِلة صاحبنا تكمن في تحسين الكذب في مواضع وتقبيح الصدق في مواضع، وفي إلحاق الكذب بمرتبة الصدق، وفي حطِّ الصدق إلى موضع الكذب.
أما “صحصح” فهو أيضا من ضمن الثلاثة الذين تكلم عنهم الجاحظ وكان له مذهب يُنكِر فيه الحياة العقلية ويفضل الغباء والغفلة، والنسيانَ على الذكر. كما يذهب صحصح إلى أن الغباء في الجملة أنفع من الفطنة في الجملة، وأن عيش البهائم أحسن موقعا من النفوس من عيش العقلاء، وأنه مادام العقل مقرونا بالحذر والاهتمام، والغباء مقرونا بفراغ البال والأمن، فالشحم إلى البهيمة أسرع وعن ذي العقل والهمة أبطأ.
ولعل هذا هو ما يذهب إليه المثل المغربي الدارج: “الثور العفَّاف ما يربي صحة”، والعفاف من العِفَّة، والنفس الزكية كما تعرفون تعيف كل ما كان عطِنا نتِنا…
دعونا نقارن هذه المعطيات مع وضعنا السياسي الحالي:
“صعصع” المسكين، الراسخ في الغباء، المستلِذ بالانقياد والمَطنَزة، اعتقد أن تغيير الحزب الذي قاد الحكومة مرتين في السنوات في العقد الأخير سيجلب إليه الرخاء والتقدم فانطبق عليه المثل العربي، أتت به الضَّامة (وهي الحاجة القصوى) عِرِّيسَ الأسد. لهذا، آن الأوان لتُعصَّبَ بطنُه بعد أن عُصِّبَ عقلُه منذ سنين من فرط استمراء السخافة.
أما “جهجاه”، فإذا كان أغلب الحكومات التي تعاقبت تاريخ المغرب الحديث على ديدَنِه، إلا في حالات قليلة جدا، فمع هذه الأخيرة “مش حتقدر تغمض عينيك”، شيء عجيب لا عهدَ لنا به، مشيخة في “الجهجهة” إذ كذبُ أعضائِها وسِع كل شيء وبصلافة لم نعهَدها من قبل.
إنها أبغضُ من الطَّلياء (الناقة الجرباء)، مقرونة والعياذ بالله بالشؤم وسوء الطالع، والمنحوس كما يقال “ينبحو عليه الكلاب في السوق”، سوق اجتمعت معها جميع عوامل الجفاف والغلاء والكساد والشح والتضخم، الدولية منها والوطنية، وطال الغلاء أبسط الخضر التي كان المغاربة يطنِزون (وهي كلمة عربية أصيلة تستعمل في الدارجة المغربية بمعناها الصحيح أي الاستهزاء) بها على الأشقاء الجزائريين ومن تشدق بالنعمة ابتلاه الله بالغاوي والهاوي (الجراد والذباب).
أما اللحم، فبعد غلاء ‘لحم الراس’ الذي ظل مع الحكومات السابقة لحمَ الفقراء، فقريبا سيأكل المغاربة العُراقَ أي العظمَ أُكِلَ لحمُه، وقريبا يطلع “بايطاس” وهو جمع “بيضة” بلهجة شمال المغرب ليقول لنا: من أكل بيضة فقد أكل دجاجة.
ألم يقل المثل المغربي الأصيل: “امرأة المنحوس ما مطلقة ما عروس”؟ هذا هو حال المجتمع المغربي مع هذه الحكومة، وأين يضع المخنوق يده كما يقال؟
لمن له عِيال كثيرون، كان الحسن الثاني رحمه الله يقول “كثرو البلول” إسوة بنبي الأمة محمد (ص) الذي قال: “إذا طبختم لحما فزيدوا في المرق، فإن لم يُصب أحدُكم لحما أصاب مرقا”. أما مع الغلاء الفاحش الذي لم يطل اللحم فقط بل حتى الخضر، فأكيد أن الفقراء سيبيتون يشوون القَراح الذي هو الماء ليس إلا وسنرجع إلى حكاية عمر بن الخطاب والمرأة التي تضع الحجر في القدر وتوهم عيالها الجائعين بأنها تطبخ الطعام حتى يناموا.
ربما تكون هي الحجارة التي تحدث عنها رئيس البرلمان حين حث الناس على رميهم بها إن لم يحققوا ما وعدوهم به في الانتخابات.
ربما…
عموما، نتمنى أن تتحقق حكمة مَثل شعبي آخر حول المنحوس: “المنحوس حتى ليلة عرسو قصيرة”، وإن لم يكن ِوفاق ففِراق، لإن خَصلتين خيرُهما الكذب لخَصلتا سوء،
ولأنه من المستحيل أن تجني العنب من الشوك.

