جمعية مدرسي التاريخ والجغرافيا بمريرت تدعو للترافع لدى الجهات المسؤولة لصيانه وترميم المواقع الاثرية المحلية التي طالها الاهمال والتهميش: إغرم أوسار نموذجا.

الأحداث ✍️محمد مرادي.
نظمت جمعية مدرسي التاريخ والجغرافيا بمريرت بشراكة مع جمعية تيغزى أطلس للتنمية يوم الأحد 5 مارس 2023 بالمركب الاجتماعي لتأهيل المرأة بمريرت ، يوما دراسيا حول “التاريخ المحلي: إغرم أوسار نموذجا”، تسعى من خلاله إلى إحياء تراث منطقة فازاز بصفة عامة ومنطقة إغرم أوسار بصفة خاصة، والتعريف بالتراث التاريخي المحلي ومنه التراث الأثري .

وقد اوصى المشاركون في أعقاب هذا اليوم الدراسي الذي أطره كل من الدكتور ادريس أقبوش والأساتذة: حوسى جبور، لحسن رهوان والحسين أكضى، بالترافع لدى الجهات المسؤولة لصيانه وترميم المواقع الاثرية المحلية والمباني والمعالم التاريخية، والعمل على تسويقها سياحيا من أجل التنمية المحلية، وهي مواقع يقول حوسى جبور تعود للعصر القديم، وطالها الاهمال والتهميش، وتعرضت للتخريب والاندثار، ومن بينها على الخصوص، مدينة معدن عوام أو إغرم أوسار، التي تقع بالجماعة الترابية الحمام بإقليم خنيفرة على بعد 30 كلم الى الشمال الشرقي لمدينة خنيفرة، وعلى بعد 7 كلم عن مدينة مريرت، مدينة عرفت أيضا باسم “وركناس” حسب الدكتور ادريس أقبوش الذي أكد انها تستجيب لشروط التأسيس في ذلك الموقع حيث الهواء الطيب ووفرة الماء (فكلمة عوام مشتقة من أعوام بالأمازيغية والذي يعني السباح)، وطيب المراعي والمزارع، والشجر للحطب والبناء، غير أن المصادر التاريخية لتأسيسها يقول المتحدث تختلف حول التاريخ الحقيقي لظهورها على مسرح الأحداث بالمغرب، ووصفت هذه المدينة حسب ما جاء في مداخلة الأستاذ لحسن رهوان بأنها كانت في غاية التحضر والعمران، مزينة بمنازل جميلة وفنادق، وعرفت استقرارا بشريا مهما لموقعها الاستراتيجي المنفتح على مكناس وفاس شمالا وتادلا جنوبا، الا أنها كانت ضحية الصراع الموحدي المريني ، حيث سيتم تخريبها خلال زحف السلطان المريني يعقوب المنصور الموحدي نحو مراكش سنة 1262م ، وحسب الحسين أكضى، فإن إغرم أوسار يعد اكبر منجم إنتاج الفضة بالمغرب في العصر الوسيط، حيث كان ينتج 6300 كلغ من الفضة الخالصة سنويا، ولعب بذلك دورا هاما في بناء اقتصاد الدول المتعاقبة على حكم المغرب في هذا العصر، وفي تقوية النفوذ السياسي للدول المتعاقبة على المنطقة.

الموقع الأثري فازاز أو مدينة المهدي، وهي حصن اثري يوجد على بعد 15 كلم شرق مدينة خنيفرة على ارتفاع 1255 م، ويسمى محليا ثيحبّيت الكارة، واعتمادا على اللقى الاثرية التي عثر عليها في الموقع عند اكتشافه في غشت 1996 يقول حوسى جبور، فقد اهتمت ساكنة فازاز آنذاك بالأنشطة الصناعية مثل الاواني الفخارية ومصنوعات معدنية كالنبال وحجابات الخيل والحلي وخاصة العقيق. وفضلا عن ادوات زجاجية، تم العثور على قطع نقدية تحمل اسم علي بن يوسف بن تاشفين الذي حكم المغرب والأندلس ما بين 500ه و 537ه، (1106 م / 1143 م .كما تم اكتشاف نقود اخرى تحمل اسم الامام المهدي بن تومرت الزعيم الديني للحركة الموحدية.
الزاوية الدلائية والتي بنيت على ربوة في سفح تاغوليت وتقع على بعد 12 كلم شمال مدينة ايت اسحاق، ينتمي سكانها الى قبائل صنهاجة وبالضبط أيت مجاط، وغيرها من الزوايا التي تشكل حزاما دينيا للمنطقة يجب تحصينه.
القصبات أو بالأحرى ما تبقى منها والتي لم تلتفت لها بعد عناية المعنيين بالأمر، كقصبة موحى اوحمو الزياني بمدينة خنيفرة والتي تعد من القصبات المرابطية التي شيدها يوسف بن تاشفين سنة 1065 م، قصبة ادخسال التي تقع على بعد 21 كلم جنوب شرق خنيفرة ويعود بناؤها للعهد المرابطي، والتي قام بتجديدها المولى اسماعيل سنة 1688م. القناطر التي شكلت جزءا من تاريخ بلاد فازاز لقيمتها الحضارية والتاريخية، حيث ادت وظائف سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية، وكان دورها تسهيل تنقل المنتجعين من الجبل نحو أزغار أو العكس حسب الفصول، ولم يتبق منها سوى قنطرة مزض إلفان، وأجزاء من قنطرة تاحيزونت ، وتبقى القناطر الاكثر شهرة في المنطقة هما اللتان شُيدتا في عهد المولى اسماعيل: قنطرة البرج وتقع على بعد 8 كلم شمال مدينة خنيفرة في اتجاه مكناس، القنطرة الاسماعيلية وتتواجد في قلب مدينة خنيفرة الى جانب قصبة موحى أوحمو الزياني، وتسمى أحيانا “القنطرة البرتغالية” وأحيانا أخرى “القنطرة الحسنية”، وقد بنيت على الأرجح في العهد المرابطي على يد يوسف بن تاشفين.
المشاركون في هذا اليوم الدراسي، طالبوا بتفعيل الآليات القانونية لحماية التراث المادي بتطبيق التشريع، وتجاوز النظرة الأحادية في فهم وتدريس التاريخ، وضرورة إدماج تاريخ المنطقة المُعرّض للتهميش ضمن المونوغرافيات لفهم التاريخ المحلي، وذلك لما له من دور في إحياء ذاكرة الأمة في شموليتها، وبفتح تحقيق حول ما تعرضت له تحف فنية أثرية محلية من سرقة.

وشملت التوصيات المنبثقة عن هذا اليوم الدراسي الذي استهلت به جمعية مدرسي التاريخ والجغرافيا بمريرت نشاطها بعد تأسيسها، دعوة الاساتذة والطلبة الجامعيين والباحثين، لتعميق البحث والنبش في الذاكرة الجماعية لمنطقة الأطلس المتوسط بصفة عامة، وبلاد فازاز بصفة خاصة، وبالتسلح في الميدان باللغة الأمازيغية، والانفتاح على المكون العبري لفهم دقيق لجميع المعطيات.
كما تضمنت التوصيات المطالبة بالشروع في التنقيب الأركيولوجي بشكل عميق ومفصل في المدن الاثرية ببلاد فازاز، والاستعانة بجميع العلوم الأخرى التي من شأنها أن تعطي المزيد من المعلومات حول المنطقة، لسد الثغرات التي تشوب تراثها المحلي، ولإماطة اللثام عن جوانب من تاريخها وإعادة الاعتبار لها، لأن المؤرخين المغاربة الرسميين كما يقول د. أقبوش لم يعتنوا في الغالب الأعم إلا بالعواصم التي شكلت مراكز القرار السياسي كفاس ومراكش، في حين تم إغفال المدن المتوسطة والصغرى، ولأن المصادر التاريخية لتأسيس إغرم أوسار على الخصوص تختلف حول التاريخ الحقيقي لظهوره على مسرح الأحداث بالمغرب، ففي الوقت الذي يربط فيه حسن الوزان تأسيسه بالموحدين، يرى أقبوش أن تاريخه يعود إلى إمارة بورغواطة التي شملت إقليم تامسنا الذي يمتد من أم الربيع جنوبا إلى إبي رقراق شمالا، وهو ما ذهب إليه أيضا الحسين أكضى الذي اعتبر أن إمارة البورغواطة كانت تستمد قوتها من مناجم الفضة بعوام وحديد ادندون .
وتمت دعوة المجتمع المدني بالخصوص كل من موقعه إلى العمل على جرد وتوثيق التراث المادي في المنطقة من معالم ولقى، وتصنيفها حسب طبيعتها، والقيام بالدراسات اللازمة لحمايتها، وعلى التعريف بتراث المنطقة من خلال تنظيم عروض، ندوات، ورشات تكوينية للمتعلمين، رحلات ميدانية، والقيام بحملات تحسيسية خصوصا وسط المحيطين بهذه المواقع للمحافظة على آثارها، وإنجاز لوحات تعريفية ودلائل حول كل موقع ، مع إدراج هذه المواقع في برامج الجمعيات الرياضية، والعمل على إنشاء متحف محلي. وإحداث مركز للبحث العلمي خاص بالمنطقة للتعريف بتراثها وموروثها الثقافي.
وفي أعقاب هذا اليوم الدراسي الهام الذي حضره ثلة من المثقفين والمهتمين بهذا الشأن، قام المشاركون فيه بزيارة ميدانية لمدينة معدن عوام، أو وركناس أو إغرم أوسار بالتسمية الحديثة، والذي لم يبق منه شاهدا على تاريخه الا أجزاء من السور المحيط بهذه القلعة، المبني ــ للحماية من اللصوص ــ، من أنقاض شديدة الخشونة ومتماسكة بملاط شديد الصلابة، وهو خليط من الرمل والكلس والماء، يبلغ سمكه مترين ويمتد طولا من الشرق إلى الغرب على حوالي 920 مترا، ومن الشمال إلى الجنوب على ما يناهز 450 مترا، وتبلغ مساحته المغلقة 26 هكتارا، وقد وقف الزوار على آثار البحث الأركيولوجي الذي قامت به مؤخرا البعثة المشتركة المغربية الايطالية بمشاركة جامعة مولاي اسماعيل والمعهد الملكي لعلوم الاثار بالرباط، والذي توقف بشكل مفاجئ بعد العثور خلاله على شواهد ولقى اثرية عبارة عن ارحية واواني خزفية حجرية تعود لفترات العصر البرونزي خلال فترات ما قبل التاريخ…)، وعلى المنجم الذي تم إنجازه داخل القلعة ضدا على القوانين المعمول بها وبالرغم من اعتراض مصالح وزارة الثقافة أول الأمر على المشروع قبل أن يرضخوا للأمر الواقع لأسباب مجهولة، ليختتم اللقاء بتوزيع شواهد تقديرية على المشاركين في هذا النشاط الثقافي الهام.