الرباط : الكاتب الوطني للنقابة المستقلة للممرضين…؛ يشارك في اللقاء الدراسي حول موضوع ” إصلاح المنظومة الصحية” …. بمجلس المستشارين وهذا ما جاء في كلمته.

مراسلة : م- ع- الإدريسي
نص الكلمة .. نود بمناسبة هذا اللقاء أن نقدم لكم الشكر الجزيل على الدعوة الكريمة لمشاركة كل الفاعلين في نقاش متميز يهم موضوعا ذا راهنية وأهمية قصوى، وهي مناسبة لتقديم الشكر لكل من ساهم في الإعداد لهذا اللقاء الفريد من داخل المؤسسة التشريعية وعلى رأسهم فرق الأغلبية .
وهنا لابد من التأكيد على مبادئ أساسية هي مفتاح نجاح أي تغيير أو إصلاح، وهي مبدأ التشاركية والمشاركة في النقاش العمومي، والرغبة في الاستماع لرأي مهنيي الصحة كمنهج صحيح وحقيقي للنهوض بالقطاع الصحي ،فلا يكفي بناء المنشآت الضخمة “وناطحات سحاب شاهقة “، بل الإستثمار في الإنسان هو الحل ،ولعل الاستثمار في العامل البشري هو الوصفة السحرية التي غابت عن جل المحاولات السطحية للتغيير، علما أن الإصلاح الفوقي أثبث كل مرة فشله ،مما يعني أن المرحلة تقتضي الإشراك الفعلي والميداني لمهنيي الصحة لإنجاح ورش الحماية الاجتماعية، باعتبار المهنيين وعلى رأسهم الممرضين وتقنيي الصحة الخزان التطبيقي لأي إستراتيجية أو تغيير مستقبلي، خاصة في ظل النقص الحاد في الأطر التمريضية وتقنيي الصحة وباقي مهنييها.
أيها الحضور الكريم، نحن اليوم نتحدث باسم فئة تمثل 60% من الكثافة المهنية و تنتج أكثر من 70 % من الخدمات الصحية، وعندما نتحدث عن الممرضين وتقنيي الصحة، فنحن نتحدث عن خمس أطر :الممرضون والقابلات والمروضون وتقنيو الصحة والمساعدون في المجال الطبي الإجتماعي ،فهؤلاء هم الفئة التي تقدم الكثير وتفتقد للكثير ،فئة تعتبرها منظمة الصحة العالمية العمود الفقري لكل نظام صحي ناجح، وجعلت لها سنوات دولية وأياما عالمية كان آخرها سنة covid19 وما بعدها ،بل ربطت نجاح أي منظومة صحية بمدى الإستثمار في العلاجات التمريضية باعتبارها مستقبل الخدمة الصحية.
أيها السيدات والسادة: إن المعركة المقبلة للقطاع الصحي معركة كبيرة وبتحديات عدة ،وبدون إنخراط فئات القطاع وعلى رأسها الممرضون وتقنيو الصحة فلا أمل في أي تغيير أو إصلاح.
إننا الآن أمام مرحلة مفصلية عنوانها “التشريع و جوهرها الحقوق والحريات” .
تشريع يهدف إلى حل معضلات القطاع، لكن يجب ألا يكون طريقا نحو المس بالحقوق، بل سبيلا نحو تعزيز الحقوق وإنتزاع حقوق أخرى تماشيا مع مبدأ ” خصوصية القطاع وليس خوصصته ” ، فالمنهجية المعتمدة في تنزيل مشاريع القوانين ومنها مشروع 22-09 و 22-08 بدأت متعثرة، مع إستعمال إقصاء الشركاء الإجتماعيين كعنوان عريض، لكن تدخل الفعل النقابي الجاد ،و بمنطق “النية ” ،و تدارك الأمر من طرف وزير الصحة ،و الإنفتاح على كل الفاعلين بمؤسسة البرلمان،كان هو النهج الصحيح لإنتاج نصوص تشريعية ذاة جودة، ومنصفة للجميع و مؤسسة للعمل المستقبلي.
إسمحولي أن أعطيكم صورة واضحة عن ما يقدمه الممرضون وتقنيو الصحة للمنظومة وللمواطن والوطن،فالممرضون في التخدير والإنعاش والقابلات حاليآ يتكفلون ب80% من حالات الولادة بالمغرب وبنجاح واضح والدليل على نجاعة هذه التدخلات هو المساهمة في تراجع معدل وفيات الأمهات الحوامل من 112 حالة وفاة لكل 100000 ولادة حية (2009 ـــ 2010) إلى 72,6، مقتربا بالمعدل الدولي.
و إسمحوا لي كذلك أن أنقل لكم صورة التمريض وتقنيات الصحة بالمغرب في مزج بين العمل الميداني كممرض والرؤية القانونية كباحث. وسأنطلق من مدخل التمريض والتشريع؛ إن رجال ونساء التمريض يعيشون فراغا قانونيا خطيرا يعتبر أحد العوامل الدافعة إلى الهجرة ،حتى أصبحوا ضحايا الفراغ، وتنطبق عليهم مقولة ” رجل في العمل ورجل في السجن “، فالممرض على مدى سنوات ورغم تكوينه الأكاديمي العالي، مازال لم يجد نصوصا قانونية شافية تحدد أين يبدأ عمله وأين ينتهي، في تداخل تام مع الأعمال الطبية، وهنا يكمن مطلب الممرضين الأساسي في مصنف للأعمال المهنية الذي يحدد عل الخصوص الأعمال المهنية في إطار الدور المستقل، وكذلك الأعمال المهنية في إطار العلاقة التكاملية مع عمل الطبيب والوصفات الطبية ، كما أن من أهم الإصلاحات التشريعية لمهنة التمريض إحداث هيئة وطنية طال إنتظارها، ونعني بها مؤسسة عمومية ذات منفع عامة، ستساهم لا محالة في الحد من فوضى الممارسة الغير مشروعة للمهنة، والتي أصبحت تسيء لمهنة التمريض ولأخلاقيات المهنة، وتهدد كذلك صحة المواطن ،مما جعل العديد من المواطنين ضحايا أخطاء تم دفنها في التراب، ويكفي أن أغلب الأنظمة الصحية بالعالم أي أكثر من75% تتوفر على هيئات تمريضية مهنية، فمطلب إحداث هيئة مهنية حق من حقوق المريض وجزء من حقوق الممرض وتقني الصحة. كما أن مطلب إخراج مدونة القانون الصحي أصبحت ضرورة تشريعية فلا يعقل متابعة الممرض أو الطبيب بقواعد القانون المدني علما أن علم التمريض والتمريض علوم في تطور دائم والخطأ مسألة واردة خاصة في قطاع يعاني الخصاص وقلة الإمكانيات وضعف وسائل العمل فالإصلاح التشريعي المرتبط بالمهن الصحية أحد أهم المداخل .
لكنني لا يمكن أن أتجاوز هذه المناسبة بدون الحديث عن علاقة الممرض والمختص في الصحة بالعدالة الأجرية المفقودة، فالأعباء التمريضية ازدادت بحدة ، لكن التعويض عنها ظل ثابتا كما هو منذ 25 سنة، حيث أصبح الممرض يقوم بعمل ثلاث ممرضين حسب إحصائيات رسمية، لكن يمكن أن يقوم الممرض المغربي بعمل أكثر من 6 ممرضين في مجال الصحة النفسية وأقسام الإنعاش ،كل هذا مع تسجيلها لإزدياد الأخطار المهنية و تضاعفها، يؤكد هذا عدد الممرضين وتقنيي الصحة الذين فقدناهم أثناء جائحة كوفيد 19 الأخيرة ، كل هؤلاء الشهداء وكل هذه التضحيات لم يحركوا حفيظة الحكومة لترفع هذا التعويض، يضاف إلى حجم الخطر وقضية الأعباء مسؤولية أخرى جسيمة ،تتجلى في تفاقم مهام التأطير بميدان العمل، خاصة مع رفع نسبة الطلبة بالمعاهد العليا لثلاثة أضعاف، ليصل ل 6300 هذه السنة وقد يصل إلى 7000 السنة المقبلة، ينضاف إليها تطور المهام بتطور التقنيات والعلوم التمريضية، إن ما يقوم به الممرضون وتقنيو الصحة حاليا يفوق بكثير ما كان يقومون به من قبل سنوات ،وذلك بفعل إرتفاع الطلب على الخدمات الصحية ، أيها السادة والسيدات: إنها حجج وأدلة علمية وميدانية، تفرض إلزامية تحقيق العدالة الأجرية لبعث الثقة، وتحفيز الممرضين وتقنيي الصحة، فالواقع يفرض الرفع العاجل من الأجر الثابت للممرض، و الوفاء بوعد الحكومة ورئيسها وجعل 8000 درهم بداية الأجر الثابت للممرض، إن كنا فعلا نؤمن بأهمية الممرض ودوره الفعال في ظل نسبة هجرة مرتفعة و درجة إستقطاب خارجية.
فالرفع من أجور الممرضين وتقنيي الصحة يعتبر عربون وفاء وصك مصالحة و إنصاف لفئة عريضة بالقطاع.
أيها السادة أختم وأقول بمناسبة إنعقاد هذا اللقاء: إن تحقيق هدف الدولة الإجتماعية يفرض بالضرورة نهج منطق الدولة التدخلية ، و إحترام مبدأ السيادة الصحية والأمن الصحي كجزء من السيادة الوطنية للدولة، وهو يعني بالضرورة تعزيز دور الدولة في القطاع الصحي، وحماية الحق في الصحة، وليس رفع الدولة يدها عن قطاع الصحة من خلال قنوات التشريع. فالدولة المجتمعية تُكرس من خلال التشريع و تتعزز من خلال الممارسة.