الأحداث✍️
كلمة المناضل شكيب الخاي خلال الحفل التأبيني للفقيد ادريس محبوبي، المنظم من طرف اللجنة المحلية لعائلة وأصدقاء ورفاق المرحوم يوم 11 دجنبر الجاري.
السيدة الفاضلة أرملة الفقيد سي ادريس محبوبي؛ الأستاذة ربيعة حوريشة،
السيدات والسادة أعضاء اللجنة المحلية لعائلة وأصدقاء ورفاق المرحوم سي ادريس،
ممثلو مختلف التنظيمات الحاضرة معنا؛ كل باسمه وصفته،
الحضور الكريم.
وأنا أحضر معكم حفلا تأبينيا آخر ضمن سلسلة حفلات التأبين السابقة التي أحياها ثلة من أناس أخيار، اعترافا بالخدمات الجليلة التي أسداها قيد حياته “با ادريس” -كما كان يحلو له مناداته- وعلى كافة المستويات، فكرت مليا في ما سأقوله في هكذا موقف؛
هل أكرر التذكير بمواقفه الإنسانية الوازنة مع العديد ممن ساقتهم الأقدار لطلب مساعدة “با ادريس” بعدما ضاقت بهم السبل؛ ولا أدل على ذلك شهادة بليغة، مؤثرة وصادقة سمعتها خلال الحفل التأبيني الأخير على لسان مدير مؤسسة تعليمية متقاعد، والتي حكى من خلالها بغصة مرارة الفراق، كيف أن فقيدنا كان سببا في انتشاله من سجن محتوم، لما بلغ إلى علمه وضع زميله في المهنة لدى الحراسة النظرية في انتظار عرضه على وكيل الملك بسبب شيك بدون رصيد، وكيف أن “با ادريس” رحمه الله استطاع في زمن قياسي لبضع ساعات طرق أبواب عدة لجمع قيمة الشيك، ومن تمة إنقاذه من سجن مؤكد.
ولتبقى الحالات الإنسانية المماثلة، الشاهدة على نبل شخصية المرحوم سي ادريس، عديدة ولامحدودة.
أم أذكر بمواقفه النضالية القوية والمشرفة جدا، والتي لن تكفينا ساعات وساعات متواصلة لسردها كاملة، وعلى واجهات عدة؛ جمعوية، حقوقية، سياسية ونقابية، خاصة عندما يكون قول الحق والجهر به بمثابة جمرة في حلق من لا يجرؤ حتى في التفكير فيها، فبالأحرى النبس بها.
سي ادريس، لم يكن مطلقا عبدا لمنصب أو مسؤولية ما، ولم يكن إمعة في يد هذا الشخص أو ذاك، ولم يكن وصوليا مستعدا لهدم هذا التنظيم أو ذاك من أجل التصدق عليه بمهمة في جهاز صوري ما، ولم يكن انتهازيا آملا في فتات ما بمنطق أنه (لا أخلاق في السياسة)، أو التماهي مع موازين قوى الفساد، ولم يكن جبانا يبتلع لسانه خوفا على خسارة ريع محتكر، أو رغبة في الحصول عليه.
لم يكن الفقيد سي ادريس منغلقا بحدود تنظيماتنا الضيقة، لكنه كان دوما يفكر خارج الإطار (كما كان يحلو له تسميته)، تساوقا مع ما كان يؤمن به من أفكار كونية “Universelle”.
لم يكن يوما حقودا على أحد، رغم قوة وكثرة الطعنات التي تلقاها من ذوي القربى قبل الأغيار، كان يبادل الغدر بالحلم، والإشاعة المغرضة باللامبالاة، والضرب تحت الحزام بالابتسام.
جرأته في تسمية الحقائق المؤلمة بمسمياتها دون أقنعة، كانت علامة فارقة تزعج البعض ممن وجدوا أنفسهم بالصدفة في مراكز القرار.
كان رحمه الله جمعا بصيغة المفرد، لم يكن يهمه في شيء الجهر بمواقفه القوية والعفوية.
ساحات النضال بكل من أسفي، الجديدة، مراكش، الدارالبيضاء، الرباط، زاݣورة… وغيرها، ستبقى شاهدة على أصالة مواقفه وصوته الجهوري الذي طالما صدح به جسم عليل، تواطأ عليه المرض اللعين ليحرمنا، ويحرم العديد ممن كانوا يعتبرونه لسان حالهم؛ يعبر عن آلامهم وآمالهم.
لم يكن يوما يؤمن بالخطوط الحمراء في سبيل تحقيق الكرامة للمضطهدين.
لم يكن رأسماله عقارات أو أرصدة مشبوهة في هذا البنك أو ذاك، وإنما كانت عزة نفسه، وقوة شكيمته، وموسوعية ثقافته، ومتانة مبادئه، وحب واحترام الجميع له من شتى المشارب الفكرية والاتجاهات التنظيمية رأسماله الأثمن؛ إذ حب الناس هو الشيء الوحيد الذي لا يشترى بمال، فبإمكانك أن تهدد، وأن تخيف، وأن تعذب، وأن تحرم، وأن تقتل حتى… لكن ليس بإمكانك إجبار الآخر على أن يحبك كرها -ماعدا إذا كنت محبوبا لديه طوعا- وذاك كان ديدن سي ادريس؛ المحبوب اسما على مسمى.
الأخوات الفضليات والإخوة الأفاضل؛
لقد نلت شرف النضال جنبا إلى جنب مع “با ادريس” من مواقع متعددة، ولن أذيع سرا إن قلت بأنني تأثرت، بل تعلمت منه الكثير في الفعل النضالي الصادق، وستبقى مواقفه الرصينة والحصيفة الكثيرة محفورة في ذاكرتي ما حييت.
طبعا، كان رحمه الله على يقين بأن مواقفه الصريحة، وعلى مستويات كثيرة وواجهات عدة، سيؤدي -وأدى بالفعل- ثمنها غاليا من صحته وراحته، وكذا على حساب أسرته الصغيرة والكبيرة.
معاناة سي ادريس محبوبي مع المرض كان بالإمكان أن يستفيد معها من عناية طبية أفضل، وعلاج أنجع، واهتمام يليق بما قدمه طيلة مساره النضالي ناصع البياض.
كان بالإمكان ألا يعاني مرارة انتظار التوصل بالدواء باهض الثمن لأشهر طوال بسبب التعقيدات الإدارية -مع تنويه بالجهد الاستثنائي الذي بذله مشكورا الرفيق الدكتور الشناوي بهذا الخصوص-
كان بالإمكان أن يتلقى فقيدنا علاجا (VIP) كما يتمتع به مناضلو الأرائك الوثيرة..
فقط، لو أنه كان كما أراده البعض، لكنه فضل أن يبقى كما هو؛ إذ يكفيه فخرا أن نال احترام وحب الجميع، حيا وميتا.
السيدات الفاضلات، السادة الأفاضل؛
في ختام شهادتي أقول؛ إن المرحوم سي ادريس ناضل طيلة حياته من أجل تحقيق حلم الحرية، الكرامة والعدالة الاجتماعية، ويبقى خير عزاء لأسرة الفقيد هو أن تعمل التنظيمات الجماهيرية التي اشتغل من داخلها، على العمل من أجل تحقيق مبتغاه ومبتغى جميع الكادحين، من خلال إعادة بناء المناضل/الإنسان، قبل بناء التنظيمات.
باسمكم جميعا، أتقدم إلى أرملة أخينا سي ادريس وابنته وصال وأسرته وكل رفاقه ومحبيه بخالص العزاء وعميق المواساة، آملين منه تعالى أن يلهمهم جميل الصبر والسلوان، وأن يتغمده بواسع رحمته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.



