الأحداث✍️ محمد مرادي.
في إطار اللقاءات التكوينية والتأطيرية التي دأب المجلس العلمي المحلي لخنيفرة على تنظيمها لفائدة القيمين الدينيين من خطباء ومرشدين ووعاظ، سعيا منه للارتقاء بمستواهم العلمي وتأهيلهم وتطوير مهاراتهم في مختلف المجالات، والوصول إلى الجودة التي أضحت ديدن الجميع، نظم المجلس العلمي المحلي يوم الأحد 30 أكتوبر بمقر غرفة التجارة والصناعة والخدمات بخنيفرة، دورة تكوينية لفائدة خطباء مدينة خنيفرة، والأئمة المرشدين والمرشدات والوعاظ والواعظات بالإقليم في موضوع: العلوم الشرعية والتواصلية وأهميتها في الارتقاء بعمل القيم الديني، وهي دورة يُتغيى من خلالها كما يقول رئيس المجلس العلمي المحلي، التذكير بأهمية الخطاب الديني في تحقيق التنمية المنشودة، وفي توجيه البلد الوجهة التي يقصدها، ولا يمكن أن يكون الأمر كذلك إلا بترشيد هذا الخطاب، وهذا يعني في مجال الخطابة والإرشاد والوعظ، أن يمتلك القيم الديني ذلك الزاد الذي يمكنه من فهم المراد من هذا الخطاب ومن الترشيد.
وفي كلمته الافتتاحية أكد الأستاذ مصطفى زمهنى، رئيس المجلس العلمي المحلي أن الخطاب الديني أضحى ضروريا في كل ما تروم المجتمعات تحصيله، وحتى يكون متناغما مع السياسة العامة، فلا بد له ان يكون خطابا راشدا منضبطا صحيحا وسليما، من شأنه أن يوجه الى الصلاح والإصلاح.
وشدد على أن الاهتمام مُنصب بشكل كبير في بلدنا الذي ينفرد بنظام إمارة المؤمنين على الشأن الديني، إذ لا يمكن أن يتحقق المقصود من التنمية والعمران إلا بحضور هذا الخطاب الذي يَعني حضور القِيم والأخلاق، وما يجسد إنسانية الإنسان في هذا الزمان الذي طغت فيه الأنانية والمصالح الشخصية.
من جهته أشاد المندوب الإقليمي للشؤن الإسلامية بخنيفرة باختيار هذا الموضوع الذي اعتبره موضوعا حيا وحيويا، قبل أن يغوص في تعريف هذه العلوم ودورها، داعيا المشتغلين في الحقل الديني إلى إرجاع الأشياء إلى أصولها، سيما وأن الشريعة يقول المتحدث، مدار جميع العلوم الكونية، وباقي العلوم مستنبطة منها، وأن يكونوا على اطلاع واسع بمختلف العلوم.
أما المتحدثة باسم المستفيدين من هذه الدورة التي اعتبرتها مبادرة حكيمة من المجلس العلمي المحلي، فأشارت إلى أن هذه الدورة التكوينية تُسهم في التأطير الديني الرصين للقيمين الدينيين الذين يحملون على عاتقهم أمانة الدعوة إلى سبيل الصلاح، كما تسهم في صيانة الوحدة العقائدية.
وقد افتتحت الجلسة العلمية لهذا اللقاء بمداخلة للأستاذ عبد الله بلوش، المشرف على مدرسة الحسن اليوسي للتعليم العتيق بصفرو، تناول فيها بالدرس والتمحيص، “قضايا منتخبة من مباحث العقيدة الأشعرية”، وهو موضوع مرتبط بموضوع العقيدة الذي اعتبره من أخطر المواضيع، فتحدث عن قضية الإيمان وما يندرج تحته من مسائل، من أهمها مفهوم الإيمان الذي هو أساس هذه القضية، وتتجلى أهميته في الآثار التي تترتب عن تحديد هذا المصطلح، لأن سوء فهمه قد ينشأ عنه انحراف خطير، قد يفضي إلى غلو قد يؤدي بصاحبه إلى القول بتفسيق المخالفين له أو إلى تكفيرهم، وقد يؤدي به الأمر إلى أن يكون خطرا على أمن واستقرار المجتمع ومن فيه، المسألة الثانية وهي التقليد في أصول الدين، فحكم إيمان المقلد، وهل الإيمان مخلوق أم قديم، ومسألة زيادة الإيمان ونقصانه، وهي مسائل تستحق أن يخصص لكل واحدة منها بحث مستقل على حد تعبيره.
إثر ذلك، قدم الأستاذ زمهنى “نظرات نقدية في التصحيح والتضعيف للأحاديث النبوية”، منبها إلى أن هذا العلم يعاني من التطفل، حتى أن هناك من يصحح حديثا ما تارة ويضعفه تارة أخرى في نفس الكتاب، فقضية التصحيح والتضعيف يقول المتحدث، يقصد بها الحكم على حديث بالصحة أو بالضعف، أي أن الحكم عليه بالقبول أو الرفض، فالمقبول هو الذي يصح الاستدلال به واستنزال الحكم منه، أما الضعيف المردود فهو الحديث الذي لا يستند به لعلة قد قدحت بصحته، وجعلته ينزل إلى مرتبة المرفوض.
وهذا الاختلاف ناتج عن تباين بين الفقهاء الأصوليين وبين المحدثين في المسألة، فأبرز أن الحديث الصحيح هو الذي تتحقق فيه الشروط الخمسة وهي: اتصال السند، عدالة الرواة، ضبط الرواة، عدم الشذوذ والسلامة من العلة. وهي قواعد عند أهل الحديث، لكنه عندما نطالع قضية التصحيح والتضعيف في تنزيل هذه القواعد، نجد ان هناك أحاديث تخلفت عنها بعض هذه الشروط وحكم عليها بالصحة، وفي المقابل هناك أحاديث استوفت الشروط وأكثر، وتم ردها وعدم قبولها من قبل أهل الحديث، فقضية التصحيح والتضعيف ليست آلية.
رئيس المجلس العلمي المحلي خلص إلى ان التصحيح والتضعيف مسألة غير متاحة لأي كان، وشدد على ضرورة الجمع بين الفقه والحديث للحكم على صحة أو ضعف حديث نبوي.
الأستاذ عبد الوحيد بن الطالب عضو المجلس العلمي بميدلت، تناول في مداخلته موضوع علوم اللغة وأثرها في تطوير فن التواصل، مبرزا الضوابط التي تحتاجها وظيفة التواصل لتحسينها، ومنها إخلاص السريرة لله، والرغبة والمحبة، ففهم العملية (خطبة أو موعظة) وما يحيط بها، استحضار التراث والمعاصرة والشكل والمضمون، والاستعانة بالغير دون التقليد، ودعا القيمين الدينيين إلى اعتماد البساطة في الخطاب، ومخاطبة السلوك بدل مهاجمة الناس، وضرورة الاطلاع على علوم اللغة وعلم البلاغة.
ولأنه كما ورد عن د. أحمد حسين محمد إبراهيم، عميد كلية الدعوة الاسلامية بجامعة الأزهر، أنه “في هذا العصر الذي تتشابك فيه التخصصات العلمية، وتتقارب فيه الحقول المعرفية، تكثر التوجهات الداعية إلى تحقيق التكامل بين التخصصات المتنوعة، والإفادة من ذلك في خدمة المجتمعات والأوطان، وتنمية البحث العلمي، وأن الدعوة الإسلامية بما لها من مكانة في بناء الفرد والمجتمع، لجديرة بأن تلتقي الجهود والعلوم حولها، وأن تُوضع لها الخطط اللازمة لإنجاح رسالتها، وتحقيق أهدافها، وتثبيت دعائمها، وتوطيد مكانتها، لما في ذلك من خدمة للدين، ودعم للوسطية والأمن الفكري والاجتماعي. ففي هذا السياق، تحدث الأستاذ وعباس أدعوش عضو المجلس العلمي المحلي بخنيفرة، عن مطلب التكامل بين العلوم الإسلامية والعلوم الإنسانية، مبرزا أن نجاح خطاب القيم الديني رهين بمدى إعطائه له نوعا من الحياة والحداثة والتنوع، الذي يجعل المتلقي يقبله ويُقبل عليه، وذلك من خلال استحضار العلوم الإنسانية المنسجمة مع الرؤية الإسلامية والتي تساهم في تحقيق التواصل بشكل عام، والواقع الذي يعيشه المخاطبون ضمانا لخطاب يلائم حاجاتهم ويقدم حلولا لمشاكلهم. ودعا القيمين الدينيين إلى عدم الاقتصار في خطابهم الديني على العلوم الشرعية وحدها، وشدد على أهمية إغنائها بباقي العلوم التي لا تتعارض والدين الإسلامي، مستدلا على ذلك بنماذج في نفس الموضوع.
وبعد نقاش مستفيض، أجاب خلاله المتدخلون على أسئلة المستفيدين من هذه الدورة التكوينية، اختتم اللقاء بالدعاء الصالح لأمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

