الحاجب /خالد المسعودي
تعتبر مدينة أكوراي واسطة عقد مراكز إقليم الحاجب، أولا لموقعها الاستراتيجي الهام عبر تمركزها بين مدينة مكناس التي تبعد عنها بحوالي27 كلم شمالا، وبوابة الأطلس مدينة الحاجب التي تبعد بحوالي 25 كلم شرقا، ثانيا لاعتبارها من أهم المراكز بالإقليم كثافة من حيث عدد السكان سواء المحليين أو الوافدين الذين اجتذبتهم أكوراي لخصوبة أراضيها واحتضانها لضيعات فلاحية فضلا عن الحقول الشاسعة المترامية الأطراف لزراعة الشعير والقمح والبصل والثوم ..
ما يربو على 20 ألف نسمة، هم ساكنة أكوراي، أغلبهم يتكلون اللغة الأمازيغية، باستثناء بعض الوافدين من مناطق أخرى الذين يتحدثون العربية وإن كان جلهم قد انصهروا في المنظومة وتأقلموا وأضحى لسانهم رطبا سلسا يرسل مصطلحات وعبارات أمازيغية، بحيث لا تستطيع من الوهلة الأولى أن تميز بينهم والأكورايي الأصلي..
ما يميز مدينة أكوراي على باقي المراكز التابعة لإقليم الحاجب توفرها على قصبة داع صيتها محليا وعالميا، وقد صنفت تراثا عالميا وإنسانيا من طرف وزارة الثقافة المغربية بقرار صادر بتاريخ 10 فبراير 1948 ( ج ر. رقم 1846 في 12 مارس 1948) وتدخل ضمن خانة العديد من القصبات التي شيدها السلطان مولاي إسماعيل لحماية مكناس وفاس من الهجمات المسترسلة من قبل القبائل الثائرة بالأطلس المتوسط..
بيد أن بعض الروايات المتوارثة تاريخيا تؤكد أن بناء القصبة لدواعي أمنية جاء في المرتبة الثانية، اعتبارا أن موكب السلطان مولاي إسماعيل حط بالموقع الذي شيدت عليه القصبة وهو عائد من إحدى غزواته على قبيلة زيان، كان برفقته زوجته البرتغالية ” العلجة” التي سحرها المنظر الجميل للموقع الحالي للقصبة، فطلبت منه أن يبني لها قصبة تكون قطبا لعائلتها فكان لها ما شاءت، وقد استوطن القصبة أقارب الأميرة المسمون بالعلوج والذين حظوا باهتمام خاص من طرف السلاطين من خلال إصدار ظهائر توقرهم وتمجدهم وتحفظ لهم حقوقهم وتحميهم وتجدد لهم ما منح لهم السلاطين الفائتون.
أما أصل تسمية أكوراي ففيه عدة أقوال: أولها أنها تعني الهضبة العليا نسبة لمدينة برتغالية تدعى” لاكوريا” أما الثاني أنها تعني “عين السلطان” باللغة البرتغالية وهو القول الراجح لملامسة للصواب، بحيث أن لفظة “أكو AGOU” تعني “عين” و “راي RAI“تعني سلطان، هذه العين تدعى “العين البرانية”.
إبان فترة الاستعمار، حظيت منطقة مكناس فاس على وجه الخصوص باهتمام كبير من طرف المعمرين معتبرينها من جملة المغرب النافع، فعمل على مدها بشبكة الطرق ونالت أكوراي نصيبها الأوفر من العملية، بعد الاستقلال أصبحت أكوراي بلدية حضرية أثناء التقسيم الجماعي التي اعتمدته الدولة سنة 1992..
واليوم الواقع يوحي بذلك لأن حركة نمو وتطوير المنطقة تسير من حسن إلى أحسن على جميع المستويات بعد تحمل المجالس المتعاقبة مسؤولية إخراج رزمة من المشاريع التنموية والتي من خلالها استطاعت أكوراي مسايرة ركب التنمية، وتبوأ مكانة اللائقة بها وبتاريخها التليد، من أجل آفاق مستقبلية واعدة لتحقيق مطامح الساكنة.
وبعد اقتراب تحقيق حلم قاعة مغطاة وملاعب القرب، لازالت ساكنة المنطقة تطالب ببعض المطالب الملحة من حديقة عمومية تكون متنفسا للساكنة، و محطة طرقية للحافلات، وتعزيز البنية التحتية وبالأخص الطريق الرابطة بين أكوراي مكناس والحاجب..
في حين يلاحظ شبه إجماع بالتنويه والإشادة بالدور الذي تضطلع به السلطات الأمنية في شخص رجال الدرك الملكي، الذين بالرغم من قلة العناصر العاملة بالمركز الترابي بمدينة أكوراي الذي تتوسع قاعدة عمرانه وزيادة نسبة نمو ساكنته، فإنهم استطاعوا بفضل حنكتهم وجديتهم في أداء الواجب الوطني الملقى على عاتقهم فرض سيطرتهم الميدانية تحت قيادة رئيس مركز الدرك الملكي سعيد تراس الذي خبر المجال الأمني وغاص في لجج أعماقه، ما سهل عليه إدارة شؤون المدينة بسلاسة ويسر، علما أن المهام الموكولة لرجال الدرك الملكي في مثل هكذا حالات تكون متشعبة وشاقة على مدار اليوم الواحد، فالدركي مطالب في ذات الوقت بالعمل الإداري، والتدخل حالة وقوع حادثة سير، وضرورة تواجده في مكان وقوع جريمة ما، وتنظيم حركة المرور، ومراقبة تنقل المركبات عبر وضع سدود قضائية، والقيام بدوريات ليلية من أجل استثباب الأمن بالمدينة…
ولا تزال ألسنة الساكنة تلهج شكرا وامتنانا للعمليات النوعية الأخيرة التي أقدمت عليها العناصر الدركية لمركز أكوراي المتمثلة في اجتثاث جذور الجريمة بشتى أنواعها، على سبيل المثال لا الحصر العمليات الاستباقية التي تم تنفيذها من قبل عناصر الدرك الملكي تحت الإشراف الشخصي لقائد السرية بالحاجب، حيث تمكنت من تفكيك شبكات من ذوي السوابق العدلية تنشط في مجال ترويج مختلف أنواع المخدرات و الخمور، والتي غالبا ما يكون تعاطيها سببا مباشرا في وقوع العديد من الجرائم الخطيرة، كما تتذكر الساكنة حادثة اعتقال المنقبين عن الكنز، والعصابة المتخصصة في سرقة الدراجات النارية، إلى غير ذلك من الجرائم التي كانت يد الدرك الملكي بالمنطقة هي العليا، واستطاعت كبح جماح الخارجين على القانون وفرملة اندفاعهم اللامسؤل عبر تسليمهم للعدالة.
أملنا كبير أن يتجدد لقاءنا مع مدينة أكوراي الجميلة عبر إطلالة أخرى، تكون فيه قد لبست ثوب التنمية بكل تجلياتها، وتزينت لأبنائها الطموحين حتى تجذبهم إليها وتغريهم بالبقاء، بدل النفور منها والاستقرار بعيدا، وفي قلب كل واحد غصة على فراقها..

