الأحداث✍ ذ. منير البصكري الفيلالي / أسفي
فقدت الساحة الأدبية والنقدية في المغرب والعالم العربي ، أديبا كبيرا وناقدا ألمعيا وأكاديميا متوهجا ، يغادرنا أستاذنا سيدي محمد مفتاح إلى دار البقاء وصورته لا تفارقنا .. عرفناه كطلبة منذ فترة سبعينيات القرن الماضي برحاب كلية الآداب بالرباط ، أستاذا جليل القدر ، عفيفا كريم النفس عزيزها ، شامخ الكرامة ، قويا عند قول الحق ، صريحا في كل تصرفاته وسلوكياته .. وكلها صفات كان يتمتع بها رحمه الله وطيب ثراه . وهي صفات تدل على ما كان يتمتع به من نضوج فكري وعقلية هادفة متزنة وبصيرة ثاقبة .. وهذه المقومات البشرية ، لا يمكن إلا أن تهدي إلى الخير والفضيلة .
عرفناه أستاذا جادا ، مؤدبا وهادئا صامتا ، يفكر مليا قبل أي حديث ، مرهف الحس ، خفيف الروح ، حلو النطق واللسان ، سليم الطبع والطباع .
وإذ أنسى ، لا أنسى معاملته الطيبة للطلبة سواء داخل مدرجات وفصول الكلية أو خارجها ، هدفه تقديم كل ما لديه من علم ومعرفة .. يتألق في شرحه ومعالجته للنصوص الأدبية ، تتدفق العبارات الرائقة على مسامع طلبته كتدفق السيل ، حيث كانت له طريقة خاصة في الإلقاء ، أساسها قوة الفطنة وقوامها ، ودقة الملاحظة .. يفهم الظروف التي تحيط بالقضايا التي تطرح في تلك النصوص ، يدرك حجم وقعها ومؤثراتها .. هذا هو الأستاذ محمد مفتاح .. رافقته في المراحل الأولى من تعليمي الجامعي ، ثم أكملت معه المسير في السلك الثالث ، إلى جانب أستاذنا الجليل عميد الأدب المغربي الدكتور عباس الجراري حفظه الله وأبعد عنه كل مكروه .. دون أن أنسى كذلك أستاذنا المرحوم الدكتور محمد بنشريفة ، وهي أسماء ستبقى خالدة في نفوسنا جميعا باعتبارها منبع الحكمة والعلم والمعرفة وموضع الثقة .. وهي مقومات لا يمتلكها إلا من ارتقت أخلاقهم ، ونبلت سلوكاتهم ، فهم مكان القدوة الحسنة والريادة والسيرة المضيئة .
كم هي جميلة ومفيدة وممتعة تلك الحصص الدراسية التي قضيناها مع هؤلاء الأساتذة الكبار .. نهلنا من علومهم وثقافتهم وفكرهم ، فوجدنا فيهم الأب النصوح الحنون ، والمربي الفاضل ، والأديب المتواضع ، والأستاذ المخلص ، فعلى يدهم تعلمنا القدرة على التواصل والإسهام بفعالية في المحيط والمجتمع والناس من حولنا . فكانوا قدوة لنا في طلب العلم ونشره ، وفي البحث عن خبايا اللغة والأدب والنقد .. استنهضوا هممنا ، وفتحوا بصائرنا ، فكانوا المنهل الذي لا ينضب .. وبذلك ، أقاموا البرهان على عبقريتهم وشمول ثقافتهم ومعرفتهم الواسعة .
فرحم الله أستاذنا سيدي محمد مفتاح وأجزل له العطاء ، راجين له من العلي القدير ما هو عنده سبحانه خير وأبقى ، فيساق إلى جنة النعيم ” سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ”
وختاما ، نسوق قول الحق سبحانه وتعالى : ” وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ، وأولئك هم المهتدون ” . هي فعلا فاجعة موجعة ، لا يكبح لها جماح ، ولا تضمد منها جراح .. وعزاؤنا واحد في فقدان أستاذنا سيدي محمد مفتاح أسكنه الباري تعالى فسيح جناته .

