اخبار النجوم

المدرسة ؛ المعلم و التلميذ أي علاقة….؟؟؟؟

جريدة الأحداث الإلكترونية / بقلم أمال غربة /

إذا كانت الاسرة هي التي توفر مرتكزات و اسس الصحة النفسية لدى الفرد سواء تعلق الامربشخصية سوية او مرضية فان المدرسة هي المؤسسة التي توجه هذه المرتكزات فتعطيها الدفع اللازم لتتجسد على ارض الواقع و تصبح اكثر وضوحا .

فالاسرة و المدرسة هما المؤسستان الرئيسيتان على صعيد النمو عامة و الصعيد النفسي خاصة، يتكاملان فيما بينهما لتوفير المناخ الملائم لنمو افضل في شكل من اشكال تبادل التعزيز، لكن قد ياخذ هذا التكامل و هذا التوافق منحى سلبيا؛ اذ ان المدرسة قد تكرس ما قد بداته الاسرة من تصدعات نفسية بان ينتقل الصراع من البيت الى الفصل في نوع من تكرار جل العمليات السلبية و تعزيزها المتبادل،  فتكون النتيجة الحتمية تصدع انتماء الطفل الى المجتمع؛ الذي يصنع لديه شرخا قد يعيق لاحقا عمليتي تكيفه و نموه معا.

 و قد تتعارض المؤسستان و يقع الطفل ضحية هذا التعارض و الاختلاف، فيصبح في حالة ازدواجية نفسية كما قد يؤدي هذا التعارض الى نوع من التصحيح حين تتمكن المدرسة من تصحيح بعض عوامل الاضطراب في المنزل في نوع من العلاج التعويضي.

 هذه العمليات السالفة الذكر هي ناشطة دوما و بشكل تلقائي، تنفي عن المدرسة كمؤسسة مجتمعية ما الفته لدى السلوكيين؛ من كونها لا تعدو ان تكون سوى كيان تعليمي يسعى لحشو الطفل دون مراعاة لحاجياته الوجدانية العاطفية، و دون ادراك لكم الازمات النفسية و الشروخ التي قد تكون سببا هاما في تدهور تحصيلي.

 ان الاخذ بعين الاعتبار الجانب النفسي كعامل رئيسي في معالجة التدهور التحصيلي امر لا بد منه، مما ييسر عملية نمو سليمة و تحصيلا دراسيا متوقعا. اننا اليوم بصدد التحول من منظور الطفل الالة- المعرفية الى الطفل الكائن الكلي.

 ان الذهاب الى المدرسة ليس حدثا عابرا، انه عملية عبور من عالم الاسرة المحدود الى عالم اكثر اتساعا؛ عملية تجاوز لقانون الوالدين نحو قانون اشمل، فالطفل لم يعد حكرا على اسرته بل عليه التعامل مع عالم جديد بمرجعياته و علاقاته و تفاعلاته.

 و يتوافق ذهاب الطفل الى المدرسة في المرحلة الابتدائية مع بداية مرحلة هامة، تتضمن مهام جديدة، انها بداية مرحلة الفطام النفسي عن الاسرة و بداية نوع من انواع الاستقلال الذاتي. في المدرسة تتكرس العلاقات الافقية بين الطفل و اقرانه بعد ان كان يغلب على علاقاته الطابع العمودي و التبعية. و الرحلة هذه انطلاق فعلي لمشروع معرفي يبدأه الطفل بشوق و لهفة رغم ما يمثل لديه تغير المكان و الشخوص ،و ما قد يحمل في ذهنه من تمثل عن العالم الجديد الذي هو المدرسة. فالطفل كائن باحث عن المعرفة بالفطرة. إذ أن المعرفة تقترن لديه بالكبر و المكانة و التخلص من التبعية: أنا اعرف إذن أنا كبير. إن الطفل ليس بداية مشروع لا تاريخ له بل هو تركيبة خبرات و تفاعلات راكمها قبل ولوج عالمه الجديد، قد يكون هذا التاريخ متوافقا مع متطلبات الحياة المدرسية و توقعاتها مما يزيد من فرص النجاح، كما قد يكون قاصرا و عاجزا عن تلبية هذه المتطلبات مما يؤسس لحالات متفاوتة من التعثر، و قد يصل الأمر في بعض الأحيان الى مستوى التناقض ما بين التاريخ الحياتي السابق و بين مقتضيات الدراسة مما يستلزم عملية تاهيل فعلية ترمى على عاتق المؤسسة التعليمية عامة و الاستاذ خاصة.  إننا هنا بصدد سبر اغوار التاريخ العلائقي للطفل لنؤسس وجها علائقيا يخلو من معيقات التواصل و يبني طريقا سويا لتعلم و تكيف افضل.

 فمنذ بدايات الحياة تقوم عملية كثيفة جدا من التفاعل بين الطفل و أمه أولا و بينه و بين باقي الاسرة ثانيا، فالطفل يمتلك سيناريو أسريا خاصا من أنماط العلاقة و التفاعل و المكانة و الدلالة و الأدوار و التوقعات، يحمله معه الى المدرسة كي ينشط من جديد بأشكال متنوعة و متفاوتة في الدرجة. تتخذ العلاقة مع المعلم دلالات و الوانا مختلفة عن العلاقة مع الوالدين فيما هو معروف من إسقاطات نفسية و تحويلات طالما أن المعلم هو السلطة الثانية التي تمثل البديل او المرادف للسلطة الأبوية، كما تتخذ علاقات الطفل مع أقرانه حالات من سيناريو العلاقة مع الإخوة في البيت من خلال العملية الإسقاطية ذاتها، و هذا يسمح في الغالب بتصحيح بعض العلاقات المضطربة مع الأسرة أو ما يفتح سبيل تعزيز السوي منها. فالتربية الاسرية المرتكزة على التدليل و التمييز في المعاملة أو التناقض أو التسلط أو التملك ستدفع الطفل بالضرورة الى لعب نفس الدور الذي تشكل لديه سلوكه و انبنت عليه حياته النفسية في علاقته بالمعلم ، إذ يتوقع تدليلا مماثلا، أويقف موقفا متجاذبا مع المعلم، أو يميل إلى الرضوخ في حالة التسلط، أو يظل طفلا انقياديا في حالة التملك، كما أن أشكال التربية ستعاد في علاقته مع رفاقه من تبعية أو تسلط أو عدوانية أو غيرة أو تحالفات مختلفة مع البعض ضد البعض الاخر، كما هو شأن تحالفات الإخوة في البيت. قد يلعب الطفل تجاه المعلم دور الضعيف الذي يحتاج إلى الاحتضان و الرعاية، أو على العكس دور المشاغب المتمرد المثير للعداء في تكرار للمشهد الأسري، و قد يلعب دور الطفل المدهش الحائز على رضى المعلم. فلطالما تنوعت المشاهد و السيناريوهات التي يأتي بها التلاميذ الى المدرسة و يعيدون لعبها في القسم مع المعلم، الذي يستجيب بدوره بأشكال مختلفة مما يجعل دينامية التفاعل و العلاقة فريدة من نوعها تتم على مستوى لاشعوري في معظم الاحيان.

المهم  في الأمر أن للمعلم ذاته سيناريو أسري خاص به، تشكل في مجمل مراحل حياته و تاريخه العلائقي، ذلك ما يفسر علاقات التعاطف و التجاذب و التفاهم، أو على العكس علاقات النفور و التوثر و التباعد بينه و بين تلامذته من جهة، و بينه و بين رؤسائه أو زملائه من جهة أخرى. في صورة لاشعورية لها أثرها البالغ في تفاعلاته الموقفية الواقعية. و بالطبع فإن التلميذ هو الطرف الأكثر تأثرا، فهو موضع الحكم تبعا للدلالة التي اتخذها في لاشعور المعلم، فالتلميذ قد يمثل الصورة المثالية التي كان المعلم يتمنى أن يكونها طفلا، أو قد يمثل صورة أخ منافس فيتحرك ملف غيرة قديم أو قد يمثل صورة ذلك البعد الصراعي من حياة المعلم النفسية، و قد يبقى حياديا لدرجة تجاهل البعض. 

إن موقف المعلم من التلميذ ليس موضوعيا واعيا بالضرورة، و دلالة التلاميذ تتفاوت في عالمه النفسي كما أن فشله المهني قد يراه فشل تلميذه التحصيلي. و مما يجب الوقوف عنده هو أن هذه التفاعلات اللاشعورية قد تتحول إلى تقويم نفسي لاشعوري للتلميذ ، فيما يتجاوز تقويمه التحصيلي. و هذا ما تردد الحديث عنه : عن تعثر تلميذ مع أستاذ دون اخر، و ما يجري على مستوى التحصيل  قد نجده على مستوى التكيف السلوكي، حين يحتد الصراع بين معلم و تلميذ ما؛ فقد يسقط هذا التلميذ صراعه مع والده على أستاذه الذي يتخذ دلالة الأب، و قد ينجرف الأستاذ في هذا المشهد الدرامي فيستجيب بالنبذ و القسوة، مما يصعد من ثورة التلميذ و تراكم مشاعر العدوانية، و بالتالي بروز سلوكات غير متكيفة تبرر للمعلم تصرفه تجاه التلميذ في نوع من تفاقم عملية متداخلة و متأزمة، دون أن ننكر أنه في بعض الأحيان يتمكن بعض الأساتذة من قلب العملية و استفراغ المحتوى العدواني للعلاقة لتحويلها الى علاقة احترام، تلغي عملية الإسقاط الأولي، و تهدم أضرارها النفسية و في الغالب يحتاج هذا قدرا كافيا من الدراية و الوعي.

  يتضح من كل ما سبق مقدار أهمية الجانب النفسي في العلاقات داخل الفصل، و يتضح معها مقدار ضرورة تمتع المعلم بدرجة كافية من الوعي و النضج، و فوق هذا تتضح أهمية التفاعلات الخفية التي تخرج عن نطاق الضبط و التقويم، هنا يصبح لزاما طرح قضية تقويم ما هو نفسي الى جانب تقويم عمليات التعليم و التعلم، و من جهة ثانية لا بد أن نشير الى أن ظروف عمل المعلم و مواقفه من تلاميذه و علاقاته مع محيطه و درجة رضاه الوظيفي عوامل لها الأثر البالغ على مدى ايجابية علاقاته بتلاميذه.

أمال غربة باحثة في علوم التربية و النفس

 

هيئة التحرير
المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: