اخبار النجوم

التنظيمات السياسية والتوجه البرجماتي

جريدة الأحداث الإلكترونية / عبد الحفيظ زياني

12735840_1684351161789652_937335155_n

لم يعد خلط المفاهيم يجدي نفعا، كما لم تعد تنفع تسمية الأشياء بغير مسمياتها، خصوصا إبان فترات، توصف بالملحة والمصيرية، إذ يصبح فيها تحديد المغزى أمرا ضروريا، بل يفرض نفسه، بالنظر للسياق العام الذي يندرج فيه هذا المعنى أو ذاك، هذا المضمون أو ذاك.

يتعلق الأمر بمصطلح شكل في فترات معينة جدلا عميقا، وسال بصدده مداد كثير، حتى أنتج  الخوض فيه مدرسة فكرية فلسفية لها ما يميزها، إنه مفهوم البراجماتية، أو التيار النفعي، وهو اتجاه فلسفي يزاوج بين  التجريد والتشخيص، أي بين التنظير والتطبيق، لدرجة يجعل التجربة تنطلق من التطبيق كمحك يمكن من ترجمته إلى نظري، مثله في ذلك مثل الديالكتيك الهجلي الذي قال فيه ماركس أنه يمشي على رأسه، وبالتالي فإن صياغة الأفكار تأتي في المقام الموالي بعد عملية التنظير، عكس التيار الذي يرى أن التنظير يمثل نقطة البداية التي تمكن من ترجمته إلى تطبيق.

قد يجرنا الاصطلاح إلى الحديث، ولو بإيجاز، عن مدارس أخرى، من قبيل: العقلانية، التجريبية، والوجودية، ولا سبيل من توطئة، ولو عابرة، بشأن المفاهيم سالفة الذكر، وهي اتجاهات فلسفية تمحورت حول عالم الفكر والمعرفة، واتخذت من العلوم الانسانية نبراسا لها، ومجالا فسيحا للاشتغال عليها، فإذا كان العقلانيون يعتقدون أن العقل هو المصدر الفريد للمعرفة، باعتباره أداة ومنهاجا في نفس الآن للتعليل، ومقياسا لتمييز الصحيح عن الخطأ، لاعتماده على المنطق والفطرة، ويمثل التوجه القبل معرفي، فإن التجريبيون يرون أن الأداة الحقيقية للمعرفة هي  التجربة، بمعية الحواس، وهو اتجاه يركز على المادة، ويعتبرها سابقة على العقل، أي الفكر، وما  وجود هذا الأخير إلا لتأكيد الزعم، أو دحضه، لتزكية التجربة أو إبطال النتيجة، فالحواس، حسب زعمهم، هي منبع كل المعارف، ولا وجود لمعرفة في غياب الحواس، أما العقل، بالنسبة لهم، فهو ثانوي الدور، فأما عن الوجودية، فهي تيار فلسفي معرفي، سقط في مغالاة، بسبب تمركزه حول التفكير المطلق، واعتبره نقطة تمركز الفرد حول ذاته، بل ذهب إلى أبعد من ذاك، حين منح الحرية الكاملة للشخص، وأزاح عنه كل القيود، على اعتبار أنه لا يحتاج إلى موجه، بل يعتبر مسؤولا عن تكوين جوهر معارفه لوحده، وهو تيار أغرق في التجريد والتمركز حول الذات لدرجة أفقدتها مكانتها وبالغت في تقديرها .

لقد فرض على فلسفات عصر الأنوار، وما تلاه، بسب طغيان التوجهات المغرقة في التجريد، وكذا انغلاق جلها على نفسها، ضرورة التفكير في بدائل قادرة على تخطي أزمة النشاز والشرخ بين الواقع والفكر، ونقصد هنا، البعد النفعي للمعرفة، أي أبستمولوجيا المعرفة، وهو مذهب فلسفي يعتبر أن كل فكر غير قادر على تحقيق المنفعة، فهو فكر دون جدوى، فالنفع هو المعيار الفريد الذي يجعل الأشياء تستمد قيمتها ومكانتها ضمن الإطار العام الذي تعمل فيه، ورغم كون التيارات الفكرية، سالفة الذكر، لها من الرواد من استطاع إثبات الزعم بقوة البرهنة والتعليل، إلا أن للتوجه البراجماتي من المفكرين من  استطاع أيضا التنظير للممارسة السياسية، التي تعتبر الحزبية فرعا من فروعها، أمثال مكيافيلي الذي يعد، بحق، أشهر رواد البرجماتية، لقد بنى أفكاره على أساس: الغاية تبرر الوسيلة، وكل مفيد ضروري .

إن ما يجعل المذهب الفلسفي سالف الذكر له خصوصياته المميزة، كونه نشأ في بيئة وفترة زمنية لها من الحديث ما يغنينا عن السؤال، فكل مفكر يستمد أفكاره من واقعه، بحكم العلاقة المتلازمة بين الذاتي بالموضوعي، فلا يمكن مطلقا إقصاء دور الواقع في بناء الأفكار والتأسيس لها، كما لا يمكن إسقاط الأفكار وتبني اتجاهات بعيدة كل البعد عن واقعنا الذي يفرض نوعا خاصا من التحليل والجدية، كما يملي، بوضوح وبصرامة معقولة، استحضار المصلحة العامة، عكس ما يعتقد البعض، فيرى أن النفعية ضرورة شيدت على أنقاضها اتجاهات حزبية، فإذا ما أمعنا النظر في المعادلة المجتمعية، وما تمليها من مقاربات تنموية جادة ونوعية، فقد يتبين بوضوح، أن ضرورات الحياة العامة هي التي فرضت المؤسسات الحزبية وليس العكس، لكن الواقع يوضح بجلاء أن مبدأ النفع لا يراعي المصلحة العامة، وهو المقصود تحديدا، بقدر ما يخدم مصالح فئات وأفراد، وهو ما يجعل الحزبية الضيقة رهينة السقوط في هوة مآلها الرئيسي تحريف البراجماتية عن مغزاها الحقيقي الذي خلقت لأجله.    

 إن تبني المدرسة البرجماتية مطلوب، إلى حد ما، باعتبارها المؤشر الفاعل الذي أدى إلى بزوغ التنظيمات السياسية إلى الوجود، فمن غير المجدي ممارسة الطوباوية  بعيدا عن الواقع، ومن غير المعقول، تصور أفعال وأعمال بلا نتائج، وبدون منفعة، لكن ليس إلى درجة التمركز حول الذات، وتهميش الشأن العام ومتطلباته، والسقوط في النرجسية، وخدمة الأنا قبل الآخر، وهو الأمر الذي يجعل التوجه النفعي يفسر خارج سياقه، كتحريف أنتجه تضارب المصالح وتقاطعها، والعامل الأساسي، أحيانا، سوء الفهم والتقدير، وغياب النضج السياسي، وخدمة مساحات ضيقة، بعيدا كل البعد عن أبجدية الشأن العام، الأمر الذي أدى إلى  مجانبة المعقول والصواب، بسبب أخطاء في التقدير، فالنفعية هي مدرسة فلسفية تهتم بنفعية المجتمع، الآخر، وهو عكس ما يتبادر إلى الذهن بمجرد معاينة الوضع وملامسته، حيث بات الاعتقاد راسخا، بما لا يدع مجالا للشك، أن النهج النفعي فردي أكثر منه اجتماعي، مما يجعل التنظيمات السياسية تسقط في خندق الذاتية، وتغالي في النرجسية حد التطرف، باعتمادها برجماتية الأفراد لا المجتمع .

هيئة التحرير
المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: