اخبار النجوم

الذكرى الاربعين لحدث المسيرة الخضراء والمسيرتين الراهنتين المتكاملتين

جريدة الأحداث الإلكترونية :

images (3)

منذ اربعين سنة صاح الصوت الوطني الثابت الذي اطلقه المغفور له الحسن الثاني 6 نونبر 1975، والذي استجابت له كل مكونات الشعب المغربي وعيا منها بأهمية الوحدة الترابية للبلاد وصدا لكل أنواع التآمر للنيل من سيادة الوطن،  فتوالت السنين وانكشف معها الستار الذي ابان عن ثبات الحق وبطلان المزاعم والتي ما تزال بعض الجيوب وبعض المواقف تشوش بلا فائدة، ذلك أن الزيارة الملكية الاخيرة لدولة الهند بلد المليار نسمة والمؤيدة للقضية الوطنية وابراز جلالته لمكانة القارة الافريقية ضمن الاولويات الاستراتيجية للمغرب التي تدافع عن  الإنسان الافريقي، وما تستوجبه من مبادرات تنموية، حيث الفعل العملي المباشر بجهات الصحراء والاستعداد الذي سبق الزيارة الملكية وفرحة الساكنة غير المسبوق  يظهر ان الامر الواقع لا يحتاج الى قول أو رأي مشوش، بل الى فعل وتنمية ترقى الى مستوى الابناء الاحرار الذين يصدون الخيانة ويحاربون الفساد بثقافة المساءلة والارتباط بالثوابت الدستورية وبالقرارات الديمقراطية البعيدة عن الذاتية أو المصلحية الضيقة.

وفي ظل التحولات التي تشهدها العلاقات الدولية والتطور الذي تعرفه بعض دول افريقيا الغربية والدول الافريقية عموما، تبقى كرامة الانسان وحقوقه التنموية عين وجوهر الحياة الآمنة والكريمة، وتجنب اقحام الانسان الافريقي في دوامة الحروب نظرا لما عانه عبر التاريخ من استغلال وتنكيل لهي أهم رسالة  دولية ووطنية وهي الرسالة  التي حملها جلالة الملك عبر منبر الامم المتحدة ومنبر الهند في الزيارة الاخيرة، ودفاعه عن فكرة التنمية الافريقية يقابلها الحد من النزاعات المسلحة واستغلال الاقتصاد الحربي الذي يسبب المآسي، وتحويل الاستقرار الى التطرف الذي يستغله المنهزم والحقود لبعثرة أوراق النظام الانساني المتنوع وسعادته.

وعن الذكرى الاربعين لهذا الحدث الكبير الذي يترجم ويجدد عهد المسيرة الخضراء في ظل الثوابت الوطنية التي تتفتق منها مختلف التمظهرات والتعبيرات الشعبية المعززة للوحدة الترابية  المدنية والسياسية والاكاديمية، كما يظهر ذلك من خلال الدستور الاخير الذي صوت عليه الشعب المغربي على اساس ان الثقافة الحسانية هي رافد من روافد الثقافة الوطنية، وان  الانتخابات الجماعية الاخيرة التي عبر من خلالها سكان الجهات الثلاث بالصحراء المغربية وبمشاركة مكثفة وانبثاق مجالس جهوية ديمقراطية، بالإضافة الى حياة المجتمع المدنية العادية….كل هذا يقودنا الى الحديث عن انبثاق  مسيرتين متكاملين عن الزيارة المرتقبة لجلالة الملك للأقاليم الجنوبي ومنها مدينة العيون وطرفاية وهما:

1 – مسيرة تنزيل مشاريع الجهوية المتقدمة:

ان تنزيل جلالة الملك للمشاريع التنموية والاوراش الكبرى التي ستكون مشاريع السد بعد الحسم والتحول نحو النهضة والرقي بالمنطقة الجنوبية، ذلك ان مدينة العيون عاصمة الجهات الثلاث ستكون على موعد مع حدث ملكي يستحقه أبناء الصحراء المغربية الابرار والذين للوطن هم أوفياء وللاختلاف مقدرين وأكفاء، أوراش ستفتح الاقتصاد  وتعزز المبادرة، كما أن للتنزيل ابعاد منها إظهار القدرة على الوفاء في زمن الأزمات وتوثيق الاختيار الديمقراطي كثابت من ثوابت الأمة وانضاج فكرة الجهوية المتقدمة بما يروم التحول نحو الحكم الذاتي كأرقى اشكال التنظيم الترابي للدولة المعاصرة.

كما أن تمكين المنطقة من مثل هذه الاوراش الكبرى لهو امتحان  لأبناء المنطقة وتجربة  فريدة في حق الساكنة مقارنة مع باقي جهات المغرب، وفي ظل الاستقلالية التي منحتها الجهوية المتقدمة، فان التدبير التنموي سيكون محكا جديدا لممارسة المجالس الجهوية والجماعية، وإظهار نجاعة  الاختصاصات التدبيرية والقرارات التنموية التي تبوأ المنطقة النموذج المثال على الصعيد الوطني.

2 – مسيرة إنضاج وتقوية الامكانيات التنموية الوطنية والافريقية:

ان التوجه الاستراتيجي للتحول الذي يقوده المغرب واهتمامه بالقارة الافريقية وفق منطق الانتماء للقارة وأيضا وفق معادلة تعاون جنوب- جنوب، يمكن أن تتبوا فكرة الكونفدرالية الاقتصادية لغرب افريقيا مدمجة لمقاربات التنمية الاقتصادية ومؤمنة لحقوق الانسان الافريقي والحافظة لكرامته وفق تصور محلي لكل دولة على حدى، وتقوية السلم والأمن التنموي بالقارة وتجنب الانسان الافريقي لمظاهر الاستغلال السيئ والمتنوع.

ان مبدأ الاهتمام الملكي بالإنسان عن طريق الفعل التنموي هو نضال إرادة وتأكيد على أن المسيرة هو حدث الابتكار والعمل بالعزائم ونظرة تتجاوز الانكماش والبقاء في دوامة الذاتية الوطنية لتصل الى قناعة أن تنمية الذات البشرية وتقديم الدعم حتى لباقي المجتمعات لهو السبيل ايضا لتنمية الوطن بتوسيع دائرة العمل المشترك وتنويع الشركاء ومنه تقوية الروابط بين الشعوب وادماجها في الانتاجات النافعة خير من الاستغلال في الحروب والنزاعات المسلحة.

3 – أوراش الزيارة الملكية وآثارها:

إن انتقال جلالة الملك من المؤتمر الدولي المنظم بالهند الى  مدينة العيون لهو اشارة توثيق الاهتمام الكبير بالقضايا الافريقية والوطنية، وهو ما تجسده حمولة الزيارة الملكية المباركة والمشاريع الضخمة التي تمتد الى اعماق افريقيا، مشاريع تواكب التحول والتنزيل لمشاريع الجهوية المتقدمة وأيضا توثيق التعاون مع الدول الافريقية في المجال الاقتصادي والاجتماعي والديني والخدماتي…الخ.

تغيير اسم واختصاص وكالة تنمية الاقاليم الجنوبية:

لكون المرحلة تتوخى توسيع الفكر التنموي فان توسيع الاختصاص الترابي والزيادة في حجم اهتمام هذه المؤسسة التنموي يتطلب تغيير شكل ومضمون الوكالة حتى تفي بحمولة الانتظارات التي ستقبل عليها المنطقة وتأهيلها لتكون في مستوى العلاقات الدولية الافريقية وغيرها.

تدشين بالعيون لاكبر مكتبة وسائطية بشمال القارة الافريقية:

تتويج مدينة العيون بهذا المشروع الثقافي والعلمي دليل على وضع افريقيا في عين المعارف والابحاث وتقوية الذاكرة الافريقية والوطنية للحفاظ على الثروة التاريخية واستثمارها خدمة للخصوصيات والتنوع الثقافي الافريقي، وتتويج العيون بهذا المستوى المغربي والافريقي الكبير سيزيد من قيمة المنطقة دوليا ويحول الانظار عن التفاهات الى الفكر والمعارف وتحرير الانسان من التأطير السيئ.

تدشين معهد تكوين الأئمة الأفارقة:

وفاء للفكر الاعتدالي والوسطي وضمانا للأمن والاستقرار في زمن الاختلاف والتعصب الديني ينفرد المغرب باعتراف دولي كبير  بتأطير الأئمة الأفارقة  خدمة للإنسان وتربيته تربية دينية سمحة وجعله يتعايش مع بني جنسه من البشر من حوله دون اية مشاكل يبقى أكبر هدف من هذا المشروع والذي يخدم الدين  والانسان بتقدير الخصوصيات واحترام التعدد والاختلاف، ولكي ينال الفكر الديني المعتدل قالبا منهجيا فان تدشين جلالته لهذا المعهد يدل على الامتداد اللامركزي  الروحي والمذهبي الديني والزاوياتي المغربي عبر دول العالم بصفة عامة وافريقيا بصفة خاصة. واختيار الصحراء المغربية ومدينة العيون لهذا الاختيار يجعل من الصحراء المغربية عاصمة القارة وتلاقي المريدين والمشايخ والعلماء وطلاب الدين والمربين وحاملي الرسالة الدينية الانسانية وذلك هو اساس بناء باقي جوانب حياة الانسان.

تدشين محطة طرقية الاكبر من نوعها تربط بين دول افريقيا والمغرب:

لكون المواصلات هي شرايين الاقتصاد والحياة، فإن بناء محطة طرقية من حجم الحركية التنموية للمنطقة تروم التنزيل الحقيقي للجهوية المتقدمة فان جلالة الملك سينزل أكبر محطة طرقية من شأنها توسيع وتسهيل الارتباط الخدماتي والبشري الجهوي والوطني والقاري، وتيسير تنقل البضائع ومختلف المنافع، مما يدل على تكامل المشاريع بالمنطقة ككل.

تخصيص 140 مليار درهم لتمويل برامج  تنموية بالمنطقة:

لهذا المبلغ دلالة  ووقع كبيرين على نفسية الساكنة و المنطقة الجنوبية للمملكة كبداية فقط، حيث ستكون عمليات تمويل المشاريع الكبرى ميسرة ومواكبة للتنزيل دون تعطيل، كما أن قوة الارادة الملكية ستبقى مصاحبة و مؤازرة للتنزيل الجاد لمستقبل المنطقة والحرص على انجاح المرحلة بما يختلف تماما عن ما كان وما يوجد عليه الوضع الان في دول الجوار.

تدشين محطة للطاقة المتجددة والريحية بطرفاية:

ستكون مدينة طرفاية أيضا على موعد مع حدث جديد، ذلك أن جلالة الملك سيعطي انطلاق مشروع للطاقة المتجددة بمدينة طرفاية وهو مشروع الطاقة الريحية الذي سيكون محركا للمشاريع التنموية ومؤمنا للمبادرات المختلفة، وهذه السياسة التي تميز المغرب في مجال الطاقة المتجددة او البديلة هي سياسة بيئية مناسبة لمناخ  المنطقة الجنوبية للمغرب الصحراوي.

تدشين أول مركز إيكولوجي بالأقاليم الجنوبية:

تماشيا مع تحديات العصر ونظرا لافتقار المنطقة لمركز ايكولوجي يقرب الخدمات الصحية خصوصا علاج داء السرطان المكلف، فان جلالة الملك سيعطي انطلاق بناء هذا المركز الفريد والذي يتوخى الجوانب الاجتماعية للاقاليم الجنوبية والنهوض بصحة المواطن الصحراوي بالقرب وتسهيل الولوج والاستفادة من أحدث الخدمات الصحية.

تدشين ورش السكن الاجتماعي بمدينة العيون:

تفعيلا للتوجهات الاستراتيجية للمغرب فان السكن الصفيحي لم يعد له اثر بالمنطقة، وهذا يفرض الانتقال الى مرحلة الاستفادة من سكن لائق يضمن كرامة الانسان ومحفز على الاستقرار والمبادرة في المجالات التي تناسب الاطار الثقافي والطبيعي والاقتصادي للمواطن بهذه الاقاليم، كما أن توفير السكن للمواطنين العائدين لأرض الوطن مسألة استراتيجية تكفل وتؤمن العودة بالعناية الكاملة والاستقبال المناسب لهؤلاء المواطنين وتأهيلهم للإندماج بسهولة.

ان التنزيل الملكي الاول من نوعه في تاريخ جهات الصحراء المغربية لهذه المشاريع وغيرها لم نذكرها في هذا المقال وفق منظور الجهوية المتقدمة، والذي سيكون تحولا نوعيا وقاطعا لكل زيغ عن خط حفظ سيادة المغرب أو التشكيك في الخيار الديمقراطي، يتطلب من ابناء هذه الجهات تعبئة مستمرة للدفع بالمنطقة الى ما تستحقه من نهضة تنموية وانجاح المرحلة بما هو ملقى على عاتق المؤسسات الجهوية من مسؤوليات وفق مقاربة تشاركية عمودية  وافقية لكل ابناء الجهات الثلاث لخدمة التنمية وحفظ خصوصيات المنطقة الثقافية وربط الحاضر بالمستقبل.

الدكتور احمد الدرداري استاذ بجامعة عبد المالك السعدي

ورئيس المركز الدولي لرصد الازمات واستشراف السياسات

téléchargement

هيئة التحرير
المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: