الإثنين, أكتوبر 26, 2020
اخبار النجوم

واقع حزبي دوغماتي وتنمية غائبة

جريدة الأحداث الإلكترونية / عبد الحفيظ زياني

abdel-hafeez-ziani-520x245 (1)

من المسلمات، أو يكاد يكون، ما يطفو على السطح من اختلاف و تطاحن الإيديولوجيات، مرده بالأساس إلى طغيان الاعتقاد أحادي القطب والناجم عن تبني طروحات و مقولات غير قابلة للدحض على الإطلاق، وهو اتجاه أقرب، إلى حد بعيد، من الدوغماتية.

إن نزعة من هذا القبيل، والمتمثلة في الرفض المطلق لأي فكر يتقاطع، أو يخالف الأفكار السائدة، أو المعتقد بها، مرده بالأساس إلى اختلاف في المرجعية والتوجه، ومن تمة إلى طغيان التعصب الفكري الذي يعد بحق حاجزا أمام كل معرفة نافعة، وهو ما يسمى بالنزعة اللاشكية، أي اعتناق التوجه الجازم بلا ريب ولا شك في عدم صدقه أو صحته، وهو إشكال سببه عدم الانفتاح على الأفكار والتوجهات المخالفة للرأي .
مجرد وقفة تأمل تجعلنا أمام حقيقة لها نصيب كبير من الصحة، مفادها أن الاختلاف غالبا ما يعود إلى اصطدام الدلالات والمعاني، المصالح والأجندة، كما يكون مرده إلى سوء ضبط المفاهيم والخطابات، هذا الخلط في المقاربات الدلالية يتغدى أيضا على اختلاط الفكر بالسلوك، والعادة بالفكر، و الواقع بالمبتغى فتغيب الموضوعية، وتنتصر الذاتية، وكلها عوامل تنتج تعطيل التنمية وتشوش علها

 إن عالم الأفكار يستدعي عادة توحيد آليات إعمال العقل، كما يتطلب توحيد المبادئ والمنطلقات، وإلا فالكل على صواب، أو العكس، فكل اعتقاد أو مبدأ يسقط في مسألة الزعم بإطلاقية آرائه ومعارفه، بمعزل عن فكر الواقع، فهو يزيغ عن الصواب.

إذا كانت الإيديولوجيا نسقا فكريا معتقداتيا، ومنظومة شمولية تفاعلية لمختلف مناحي الشأن العام: اقتصادي، سياسي، اجتماعي، تربوي، فلابد لها أن تعكس درجة الوعي المجتمعي إلى أبعد مدى، لذا نجدها تتمخض عن الواقع الروحي المنسجم والكيان الاجتماعي، إلا أن العيب في بعضها، أنها تنطلق من حقائق معينة، فتزكيها وتؤمن بها، لكن تغيب أخرى لأجل خدمة طروحات وتوجهات محددة، فتجعلها سجينة أفكار بعينها، وفي كثير من الأحيان فإنها تسقط في الذاتية، مما يجعلها دوغماتية الأساس والتوجه، بسبب النظرة أحادية الجانب،  التي يقيدها الانتماء، وإملاءاته.

تفرض فلسفة المعرفة لذا التوجهات الإيديولوجية، صنع الوعي الجماعي الذي ينطلق من الواقع ليتم توجيهه في اتجاه التغيير، ليس بالضرورة إلى الأحسن، بل إلى واقع من اللازم أن يخدم التنمية، أما الفعالية الإنتاجية، فتكمن في صنع واقع سوسيولوجي معرفي خالص، بعيدا عن الانتصار لهذا التوجه أو ذاك، لهاته الإيديولوجيا أو تلك، لهذا فإن جوهر الإشكال يكمن في كون الدوغماتية ليست أداة لبناء عالم المؤسسات، ولا هي آلية لصنع منظومة الأفكار، المعاني والدلالات، بل هي عملية تفاعلية لصنع فكر رديء، يدعم الطرح السائد ويزكيه، ويخلق واقعا يدين بالولاء لهذا التوجه السياسي الحزبي أو ذاك، وهو تيار يعمل بمعزل عن فلسفة الواقع الذي يريده الجميع .

يتطلب الأمر التحلي بروح المسؤولية، في مدلولها الشامل الجامع، كما يفرض دراسة متأنية للوضع المجتمعي، ليتم تشخيص علله، ثم استحضار عناصر الإخفاقات السابقة، تبيان الثغرات، بهدف صناعة البدائل، للحصول على نتائج، في النهاية، قادرة على إنتاج تنمية حقيقية بعيدة عن إعادة اجترار ما استهلك من أشباه مشاريع معطلة، و روتين يبعث على الملل، ويغيب الإنتاجية و النفع العام، إن ما يحتاجه المجتمع في الفترات القادمة، هو توجه أقرب إلى العلمية، الواقعية، الموضوعية، باعتبارها أساسيات تعكس علم الاجتماع السياسي الحقيقي.

هيئة التحرير
المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: