الأحداث المحلية

المتشردات بشوارع أسفي …قدر مريع وسقوط في أحضان الرغبة الرخيصة

10111_245متابعة موقع الأحداث/نبيل.ج

  اليوم ، نتواصل مع قراء موقع الأحداث حول نماذج بشرية محددة ، نتعايش معها ، نراهم  ونسمع أصواتهم ، يتوسلوننا بعيون حانية  ونستدري لهم الحياة والرحمة والشفقة  بجفاء ، هم من ثقافتنا ، من علقنا  وأرقنا ، ونتاج سياستنا ، هم وهن من إفرازات مجتمع  يهزل ،  لهم نفس  الملامح  التي تؤرقنا ، ويكتنفهم  نفس الشعور  بالحلم الذي نتقاسمه جميعا ،  لكنهم بلا أفق ، حينما  يحاولون حقهم في العيش ،  يتشبثون بكل شيء وبلا شيء  في ليل الحياة البهيم ، بكل الوسائل وبلا وسائل ، يفترشون الأرض ويلتحفون سماءها بلا قصص ولا حكايات ، وحين ينام الناس  هناك ، تستيقظ هواجس نماذجنا البشرية   الدفينة  ، فيعيدون  دفننها   بلا وجع  في الشم والنفخ والبلع ، ولذة مريعة للنسيان ….فقط من أجل النسيان

كانوا فرادى وجماعات ، يظهرون مثل قطيع  ضال في المحطة الطرقية ، وينبتون  على الأسوار المتهالكة القديمة كما الأرصفة  والركنات المهجورة ، المتشرد بجانب اللقيط ، والصعلوك يحاذي الشمام ،  وبائع السجائر  الذي يلسع ذراعه بعقب للذكرى نار ه لاهبة  يحتك  بأحد الوجوه التي شوهها حريق عابر فبتر اليد   وأفقأ   العين ،  أما ف….و ه….و ك…. و …. كلهن  أسماء  بريئة  لكن  بلا معنى ، قدرهن   السقوط المريع في أحضان  الرغبة الرخيصة  في ظل النسيان اللئيم ، الذي صنعهن فرائس سهلة في أفواه السكارى والمعربدين   بعيدا عن الأعين  ، قريبا منها ، بلا مقدمات  ينبطحن ، وبشيء من التشرميل  يرضخن في غالب الأحيان .     إنه عالم  طفلي سفلي ،  لا يمكن  الحديث عن تفاصيله  بعيدا  التسول و التشرد والإدمان، لكن قريبا من أعمار  فتية  وأمكنة موحشة موحدة ومألوفة

  مع بداية ليل من أصياف اسفي الملتهبة ، أثارني  مشهد طفل  بأحد أكبر شوارع اسفي  إضاءة  ، وسرعان ما انتابني شعور بتخليد اللحظة وتوثيق الأثر ، وبدا  لي لحظتئد  أن هذا الصيد ثمين وزئبقي ،   وبخفة الكوبوي، تشكلت  الصورة..  كان يسير بخطوات هادئة ومثقلة  مثل صبي  في بداية المشي،  وقد حمل بضعة أكياس ” كلينيكس”   وعلبتي  علك “شونكوم”  على الأرجح، وراح يتجول بين طاولات المقاهي عارضا بضاعته  تحت نظرات تتراوح في مجملها بين الإعجاب والاستغراب.

     لم يكن هذا الطفل  يبكي من جوع، أو يشتكي من مغص برد،  بل كان أبيض البشرة مثل ندف ثلج،  وصافيا كقطرة حليب، لم يكن سوى «سي محمد»، في دجنبر القادم يكمل خمس شتاءات، لذلك فهو يتابع دراسته بأحد رياض الأطفال بحي تراب الصيني .  لكن ، أيقسو القدر إلى هذا الحد؟

     مثل السي محمد  وغيره كثير ، عائشة ،  زينب ،  فتيحة  ،  وأخريات ، تعج بهم شوارع اسفي وأزقتها  همهم اليومي  هو  البحث عن الدرهم ،  ولأن ما يحملونه  من  سلع وبضائع خفيفة  للبيع  يشكل فقط  غطاء لمهنة التسول ، فقد تجد الواحد منهم   يقدمها  إليك هدية  في حال عدم استجابتك للعرض ،  ما يجعلك  تفاوض بلطف من أجل معالجة الأمر ،  الذي سرعان ما يتحول إلى مأساة  ،  تقول”  زهرة”  بنت 9 سنوات  كلاما غير مفهوم ،  وهي تشير  بيد  عابثة  نحو  سيدة  أربعينية  تجلس خلف إشارة المرور ،  و تراقب الوضع  عن كثب  ،  إنه  مسار يومي  حافل  بالرغبة  في  الحياة  بالنسبة لها وهي ترصد  تحركات  ثلاث فتيات   أكبرهن  ذات 10 سنوات  ، يقمن  بلا كلل بعرض “الكلينكس ” ولا شيء غير الكلينيكس ،  على زبناء  عبر زجاج نوافذ السيارات أثناء توقفها بإشارة المرور ، التعليمات الصادرة  من المراقبة العامة صارمة وتتمثل  في  مسلك غريب ،  إذ في حال عدم استجابة الزبون للعرض ، تسارع الصغيرة في  تقديمه  هدية ،  وفي حالة الرفض ، تلقي  به  داخل السيارة بين رجلي السائق

     ما أشبه تلك المرأة  الأربعينية  القابعة  أسفل عمود نور بجهاز تحكم عن بعد ، وخلافا  لما يقوم به  هذا الجهاز الرقمي العجيب  الذي يؤدي مهمته   على أساس مرحلتين مرحلة إرسال  ومرحلة استقبال ، مستعملا   عدة وسائط كالأشعة الضوئية أو موجات الصوت أو الراديو.  فإن  إشارة التحكم الوحيدة  الصادرة عنها  هي الوجوم  وتقطيب أساري الوجه الملوح ، فهي غير راضية البتة عن أداء الأجهزة التي تراقبها  ، إلا عندما يأتي الحساب ،  ويقدمن حصيلة اليوم  المادية بالعملة الصعبة ، لذلك ، تأتي   إشارتها مثل تيار كهربائي  يستخدم بصورة غير مرئية.   وتعبر هذه الموجات بسرعة   خلال الحواجز الصغيرة  كالجدران أو الأبواب  ونوافذ السيارات  أو الستارة الخفيفة.  أما نقل الأوامر منها  وإلى  باقي الأجهزة ،  فلا يتطلب  سوى  النظرة  الشرزاء  ،  لتنتشر  الرسالة  على شكل  أمواج في كل الاتجاهات محملة بالرضا أو عدمه .

   سهام   في السنة  السابعة من عمرها أويزيد قليلا  ، وبناء على التعليمات ، تختار الزبائن من طينة محددة ، فهي تختار العشيقان   شابة وشابة ، اللذان  يسيران ملتصقين في الشارع  العام ، فتنقض عليهما مثل لبؤة جائعة ، فتحرج الفتاة  أولا ” عاونني بدرهم الله يحفظك اخالتي . وتمسك بمحفظتها في محاولة لمنعها من التقدم ، فيما يشبه  حالة تلبس ، فما على الفتاة  لحظتها ، إلا التخلص من سهام بمنحها  درهما  أو أكثر ، من غير أن تعير أي اهتمام لبضاعتها ،    هذه الطريقة  الناجحة ،  أو لنقل خطة  الاحتكاكات  وإحراج الزبون  ،  حققت نجاحا مبهرا ، بحيث محصول الواحدة من الفتيات الثلاث يتجاوز 100 درهم يوميا  عدا   الإكراميات الأخرى ، ما يجعل  السيدة المراقبة في وضع مادي تحسد عليه .

     وفيما تتناوب الفتيات  الصغيرات  على التسمر  في  المواقف  وإشارات المرور  مثل الجنود  ،  تظل  الرئيسة في وضعية مراقب دائم و بعيون حانية  ولباس بين العصري والتقليدي ،  ومن النظرة الأولى ، يتضح الاستغلال  في أبشع صوره ، واغتصاب طفولة بريئة كان يفترض أن يكون لها مقعد في الفصل ، بدل هذه المرمدة  بين الجدران المتربة  والأسوار المخدوشة باللاحياء .

    تفاقمت  ظاهرة التسول  باسفي  بعد تدفق المآت من الأفارقة  باسفي في الآونة الأخيرة ، وقد  نجم عن ذلك إفرازات مجتمعية متباينة  ومتعددة  ،  وارتباطا  بهذا  التوافد  الملحوظ للمهاجرين  الأفارقة من مختلف  دول جنوب الصحراء ، لم يعد  الوضع يسمع  بتحديد   هذه الهجرة  هل هي  للدراسة في معاهد  ومدارس العاصمة العلمية التي تنبت كالفطر هذه الأيام   أم  فقط   كمرحلة   عبور صوب الشمال  في تجاه العبور نحو أوروبا ،   هذا الوضع  غير الملتبس   طبع الشكل الاجتماعي التقليدي للعاصمة العلمية بالارتباك وعدم الاستقرار ، إذ  رغم طبيعة وأريحية الاستقبال  بالنسبة لعموم  المسفيويين والذي لا يطرح مشكلا على مستوى الاحتكاك الاجتماعي ، إلا أن  قضاء  الحاجة   الدائمة  والملحة  من أكل وشرب و مآرب أخرى  تفرض على هؤلاء  أحيانا  اقتراف جرائم بيضاء ، وامتهان أسهل الطرق  “التسول ”  فتراهم  يقفون  بأبواب المساجد والشوارع كالشارع المجاور للمؤسسة التعليمية الإدريسي بالمدينة الجديدة  ،  ورغم  أريحية المغاربة  وكرمهم  ، حيث يتنافسون   في مد يد العون  لهؤلاء  وأولئك ،  فإن الوضع  بات متفاقما ،  ويهدد بشوهة  من نوع خاص ،لاجئون ومهاجرون سريون  من مختلف الأعمار ,  وضعهم الاجتماعي والنفسي حاجاتهم كبشر  أمور تؤرق  الرأي العام المسفيوي ،  ولا  تثير  اهتمام   السلطات التي لا تتحرك إلا إذا سال الدم   ،  مما حول اسفي  في نظر زوارها   مدينة التسول بامتياز ،   أجل وضع صعب للغاية  ، يحتم على السلطات  البحث عن حلول  إجرائية  قبل فوات الأوان .
متشردي اسفي الذين نبتوا وتخصبوا في ظل سياسة  مركب مصالحي انتهازي تنير شوارع رئيسية، وتظلم مناطق الحزام كلها عنوة.

    لايهم إن بات الوضع الاقتصادي للأسر المغربية في الحضيض، لايهم أيضا أن مكان «بيلة و سيمسو و هنية و ….. » في الشوارع العامة ، وليس في مراكز خاصة لمثل هؤلاء.

   كل العيون تلحظهم،  عيون رواد المقاهي  التي تم استنباتها كالفطر على امتداد القناديل المتقدة في السماء  ،  بما ف يها عيون عمداء الشرطة والوكلاء العامين للملك، والقضاة والمحامين ورؤساء الجمعيات وشبكات المجتمع المدني، كلها ترمقه هنا بشوارع البلاطو بالمدينة الجديدة و شارع الرباط  باسفي.

   ويبدو أن للمغرب نصيب الأسد في مثل هذه التقليعات العولمية البئيسة، فلابد أن نصدر بناتنا خادمات إلى الخليج ،  وأولادنا  جثثا إلى الضفة الأخرى،  ولحانا كي  تذبح وتسحل  وتتفجر في أجساد  الكافرين والمرتدين ، ولابد أن تكون السياحة التي على البال  من صنف رخيص، فقط المهنة المدرة للعملة الصعبة، ولا خيار لمغربنا في نمو اقتصاده سوى الرهان على البناء «الرشوائي»،  الوسيلة الأكثر ديمقراطية  للاغتناء بين مستشارينا  وبرلمانيينا، وللمغرب أيضا سبقه وإصراره في الإعلان عن الاختلاف في تحديد القيم وملاءمتها على الطريقة التقليدانية البئيسة، حتى غدا الأمر تنذرا وليس إبداعا.
موضوع بائع متجول صغير، لابد أن يجر حكومتنا من أذنيها، فتعيد النظر في برنامجها الحكومي ، وترجع مؤشر خططها  الإستراتيجية في معالجة أوضاع الطفولة إلى موضع الصفر،  وجب أن يسائل نفسه في البداية، من أجل تطويق الكارثة والحد من تناميها، وليس حتى درجة الاستفحال، فنبحث عن أسواق خارجية متوسلين الصناديق والنساء البورجوازيات العجائز من أجل تمويل ومعالجة الظاهرة تحت عدسات القنوات التلفزية التي لايشاهدها سوى القائمون عليها.

    التسول المغربي دخل باب العولمة مبكرا ،  حيث لم يعد يقتصر على اللباس الرث  واللحى المنسدلة  دون تشذيب والعكاز الذي يسند جسدا  لا تربطه بالأرض سوى قدمين  نخرهما السوس .   التسول المغربي بات  أنيقا ،  بل أصبح مؤسسة  اقتصادية تذر الملايين  خارج اي رقيب أو حسيب , توثرك  فتاة في عمر الزهور  بعينين عسليتين وغطاء راس ينسجم مع تنورة توحي بأنقرة واسطنبول  ،  تستجديك من غير ان يرف لها جفن مثقال بكحل راق  قبل ان تمدك بورقة مرقونة  تحمل العبارات الآتية : بسم الله الرحمن الرحيم  والدي توفي رحمة الله عليه  والدتي حفظها الله مشلولة  لم نؤد  كراء  6 أشهر مضت  ولدينا  9 أفراد   يرجون مساعدتك  والله لا يضيع أجر المحسنين.

info-19119201030902PM1

هيئة التحرير
المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: