الأربعاء, أكتوبر 21, 2020
اخبار النجوم

ازدواجية الشخصية بين المجتمع والسياسة

متابعة الأحداث/نبيل.اج

chezo

      في البداية لابد من الوقوف عند تحديد مفهوم ازدواجية الشخصية مستلهمين ذلك من مقولة فولتير“إذا أردت أن تتحدث معي فحدد قولك وعرف ما تقول” فازدواجية الشخصية حسب علماء النفس هي حالة مرضية نفسية تؤثر في سلوك وشخصية الفرد، ويحدث الانتقال من شخصية لأخرى عند وجود ضغط نفسي اجتماعي شديد ويتم الانتقال من شخصية لأخرى ويتم هذا الانتقال فجأة خلال توان أو دقائق……

وتفسر عند أصحاب التحليل النفسي بوجود إيذاء جنسي، جسمي، نفسي…..خصوصا في مرحلة الطفولة المبكرة.

      و يتمظهر ذلك في حدوث تناقض في السلوك والأفكار لدى الكثير من الذين نراهم ونسمعهم فقد أصبح الآن تغيرا وتناقضا واضحا في شخصيتهم وكذلك بين أفكارهم وسلوكهم. فهم اليوم يتكلمون ويعترفون ويصرحون وبعد فترة زمنية بسيطة يتصرفون بطريقة متناقضة تماما مع ما قالوه أو فعلوه قبل قليل.

        سنحاول في هذا المقال رصد تمظهرات وتجليات ازدواجية الشخصية ، سواء كانت مؤسسة حزبية، نقابية، جمعوية…..أو سلوكيات اجتماعية مستشرية في المجتمع بمختلف مؤسساته وفئاته الاجتماعية.

ازدواجية الشخصية في المجال السياسي والنقابي:

      نهدف من وراء رصد هذه التمظهرات تسليط الضوء على أن الكثير من ساستنا ونقابيينا…، ونحن كمجتمع لسنا عقلانيين ولا منهجيين حتى أنه يصعب على الدارس أو الباحث تصنيف مجتمعنا في أي خانة يندرج. هل في المجتمع الحديث؟ أم تقلدا نيين؟ أم في مرحلة انتقالية؟ وإذا كانت كذلك الانتقال من أين؟  وإلى أين؟ فالكل موجود فينا وفي سلوكياتنا ومظاهر حياتنا اليومية (الحداثة، السلفية،العلمانية،…..).

نعود إلى المظاهر السياسية المزدوجة:

خطاب المظلومية:

      ينتشر في مشهدنا السياسي المغربي خطاب أسموه بالمظلومية ونحن نعتبره نوعا من ازدواجية الشخصية، فعندما يكون حزب أو نقابة فائز يعتبر قياديوه أن المغرب بلد ديمقراطي وأن الانتخابات نزيهة وشفافة ولها مصداقية بعد أيام قليلة قد تعاد انتخابات جزئية مثلا لسبب من الأسباب فينهزم فيصبح مغرب الأمس ليس هو مغرب اليوم (الانتخابات الجزئية) وأن الانتخابات تستخدم فيها أموال الحرام ومشاركة رجال السلطة السلبية، والرشاوى، غياب النزاهة والمصداقية… وكل ما كان إيجابيا أمس يصبح اليوم سلبيا يعود بمغربنا إلى سنوات الظلم والرصاص.

فهذا لن ينتج عن شخصية سوية نفسيا أبدا ولها منطق واحد يحكمها فهناك احتمال واحد إما أن اللعبة فاسدة من أولها إلى آخرها إما أنها صالحة، كذلك في نفس الاتجاه فهذا قمة الأنا (ليس بمعناها الفلسفي الذي يعني الذات الواعية المفكرة) السلبية وعدم الوعي وغياب الفكر، فالاعتراف بالفساد حسب تقديرنا يستدعي عودة اللعبة من الأول أو الانسجام بالنزاهة والشفافية والمصداقية…

وهذا يعني قبول الهزيمة والاعتراف بقوة الآخر ووجوده وكذلك التعدد والاختلاف.

خطاب الأزمة:

أما بخصوص هذا الخطاب فنجده على كل لسان وكل فاعل ومتحمل للمسؤولية بكون ميزانية البلاد ضعيفة ونحن بلد فقير وليس لنا ثروات….

فالفقير في نظرنا لا ينفق ميزانية ضخمة في ترسانته العسكرية بالرغم من أهميتها نظرا لكيد الكائدين، ولا تنفق ميزانيات ضخمة في المهرجانات هنا نستحضر المثال “أش بغيت ألعريان، قالوا بغيت الخواتم أمولاي” وإن كانت بعض المهرجانات تمول من طرف بعض الخواص في جزء كبير من ميزانياتها فهذا لا يعني تماما وأبدا أننا ضد المهرجانات، بل الفن والغناء عموما غداء للروح والذي هو جزء من مكونات المهرجانات ” منين تتشبع الكرش كتقول لراس غني” وهذا دليل على أننا “شبعانين” هل فعلا نحن كذلك؟ كما أننا نرى فيها ازدهارا لبلادنا وفرصة للانفتاح على الثقافات المختلفة، وكذلك تعويضات رجال الدولة التي تتجاوز في الكثير من الأحيان راتبهم الشهري، إضافة إلى سيارات رباعية الدفع لمسؤولين وسط المجال الحضري …

نعم نريد مسؤولين في حالة مادية جيدة سواء عند استقبال الوفود الخارجية أو حتى زيارة بلدان أخرى لأنهم يمثلون كل المغاربة وكما يقال “الله يزدهم من الخير خيرين”، ولكن كفانا فقط من خطاب الأزمة الذي أتخم نفوسنا “معندناش”، الميزانية ضعيفة، البلاد فقيرة، البلاد ضعيفة، معندناش البترول….أما الأشياء التي نملكها فهي دائما مقرونة “بشوية” مثل عندنا “شوية ديال” الفوسفاط ،”شوية ديال” الصيد البحري….

في المقابل نجد نساء ورجال التعليم المغاربة يحتلون المرتبة ما قبل الأخيرة من 13 دولة عربية شملتها الدراسة والتي قام بها مركز أبحاث التعليم العالي التابع لجامعة شيكاغو كذلك نريد لهم مرتبة مشرفة، وآخرين من المغاربة بدون سكن في أحياء القصدير، ومثلهم في أعالي الجبال بدون أدنى حقوق المواطن محاصرين بالثلوج وبدون طريق ولا ماء ولا كهرباء ولا مستشفى وحتى إن وجد ماذا موجود فيه؟  كما يبقى السؤال ما حقيقة خطاب الأزمة؟

خطاب الديمقراطية في الأحزاب السياسية والنقابات:    

          أما بخصوص مبادئ الديمقراطية في الأحزاب السياسية المغربية والتداول حول السلطة فهو أمر شبه مستحيل فكل من وصل إليها يأخذها بيد من حديد ويكسر السلم الذي أوصله إلى ذلك ولا تصبح الديمقراطية إليه سوى أن يكون هو، أما دون ذلك فهي ليست ديمقراطية بل ثورة على الشرعية وانقلاب عليها.

ولا يتم الوصول إلى السلطة أي من العنف إلى الحق حسبسيجموند فرويد “إلا عبر اتحاد قوة ضعيفة متعددة في مواجهة عنف الفرد الواحد”. وهذا هو الذي يتحقق في المغرب لكن بشكل آخر هو الانفصال عن الحزب أو النقابة حتى أصبح التعدد كمفهوم إيجابي مفهوما سلبيا، كما أن الوصول إلى السلطة حالة غير عادية تدخل صاحبها في دوامة يختلط عليه الأمر، فيصبح غير قادر على ضبط سلوكياته خصوصا الشخص الذي ناضل من أجلها لسنوات طوال والذي قد يظهر فقط للمتتبع العادي أنه يدافع عن أفكار وقيم، مبادئ…

     في الوقت الذي قد نكون نحن المتتبعون ألصقنا به تلك الصفات لكن وصوله إلى السلطة أظهر فقط حقيقته الكامنة منذ زمن بعيد نشير هنا أن السلطة نقصد بها الحق الممنوح والمخول للشخص من قبل مجموعة، دولة، هيئة أكاديمية، إدارة….فكل شخص عادة ما يبدل مجهودا للوصول إلى سلطة معينة ولو كانت مجهودات سلبية مثل المهانة والمذلة، الخيانة… فهي بلا شك مجهود وصفة ليس كل شخص قادر وله القدرة على تبنيها دون أن نستثني الاعتقال والاختطاف، الحرمان من الحقوق، المضايقات، التنكيل، الإقصاء لكن الازدواجية هو أن الوصول إلى السلطة في مجتمعنا يعمل على المحافظة عليها بطرق مشروعة وأخرى غير مشروعة ويصبح ما كان حلالا حراما كما يصبحون مدمنين على كتاب “الأمير” للإيطالي نيقولا ميكيافلي.

       مثلا: متابعة الدراسة ومنعها على الموظفين في الوقت الذي فيه أغلب أعضاء ومنخرطي الحكومة الحالية الآن، ترقوا بشواهد جامعية أو حصلوا عليها وهم يزاولون عملهم. وآخرون استفادوا من التوظيف المباشر في مختلف أسلاك الوظيفة العمومية فهذا طبعا من حقهم ولكن لماذا هذا المنع؟ هل هدفه الإصلاح؟ أي إصلاح هذا الذي يكون بالمنع دون البديل؟ وأكثر من ذلك من أعطى الترخيص لوزير في الحكومة؟ هل لأنه وزير حلال عليه؟ وحرام على المغاربة؟ نحن نتساءل كما تعلمنا ذلك من الفكر الفلسفي “السؤال أهم من الجواب” فمهما كان الجواب فإنه لمحال سيفضي إلى سؤال آخر.

     أما في المجال النقابي نجد نقابة تضع شعارا لها نقابة مستقلة. مستقلة عن ماذا؟ ديمقراطية. أي ديمقراطية هذه والزعيم النقابي لا يتزحزح من كرسيه لعقود كثيرة حتى الموت أليس من حق النقابيين الآخرين أن يتبوأ تلك المرتبة التي تبقى تكليفا وليس تشريفا؟ أليس من تجليات الديمقراطية في أكبر تجل لها التداول على السلطة، ويتساءلون عن سبب العزوف النقابي؟ حتى أن النقابة تسمى بأصحابها نقابة فلان ونقابة فلان …لأننا مازلنا لم نصل إلى مفهوم النقابة المؤسسة.

          نقابة حداتية، أي حداتية وتمثيلية المرأة مثلا ضعيفة، و أن المسؤولية فيها مرتبطة بالولاء فما الفرق إذا بين النقابة والزاوية؟ وغياب الشفافية في الميزانية وعدم التداول بكل حرية حولها. كما أن الاختلاسات لا يعرف بشأنها شيء حتى يتم الصراع فيتم الفجر بالتخوين والمخزنة، والسرقة…..

ازدواجية الشخصية في الأوساط الفقيرة:       

  عرف المجتمع المغربي عدة تطورات على المستويات الاقتصادية والاجتماعية لكنه لم يستطع بعد إذابة مجموعة من النعرات والتي يمكن وضعها في خانة ازدواجية الشخصية والتي تتفشى في مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية سنحاول مقاربتها عند الأوساط الشعبية الفقيرة والتي يمكن تصنيفها حسب ثلاثة مستويات :

  • المستوى المحلي القبلي

  • المستوى العرقي

  • المستوى الديني

     شهدت الصيرورة التاريخية للمجتمع المغربي صراعات قبلية مريرة امتدت لعقود ولا زالت آثارها مستمرة إلى اليوم، إذ تنتشر في الجنوب الشرقي على سبيل المثال ظاهرة رفض الاختلاط بين سكان قبائل “آيت عطا” و “آيت حديدو” كما توجد مثل هذه النعرات حتى داخل القبائل أنفسها بين سكان دواوير يتشاركون نفس اللغة والدين والقبيلة إلا أن الصراع على منابع المياه وأراضي الرعي كان ولازال يسبب الصراعات الدموية أحيانا.

أما فيما يخص المستوى العرقي فإنه يمكننا تقسيمه حسب معيارين:

المعيار الأول هو لون البشرة، إذ لا تزال النظرة السلبية للأشخاص ذوي البشرة السوداء متفشية في جنوب المغرب وصحرائه خصوصا حيث ينعتون “بالحراطين، الدقاقين… ويعاملون على أنهم عبيد سابقون.

أما في المناسبات الاجتماعية مثل الزواج، الختان … يتم إجلاسهم في أماكن مخصصة لهم ولا يسمح لهم بالاختلاط مع “الأحرار” والذين لا تزال تتم مناداتهم بألقاب “سيدي” و “للاة”…

هذه الظاهرة متفشية خصوصا في الجنوب الشرقي حيث قصبات زاكورة والصحراء المغربية وصولا إلى موريتانيا التي تظهر فيها رواسب العبودية والرق بشكل أكثر وضوحا.

المعيار الثاني: اللغة، حيث يعتبر التمايز “العربي الأمازيغي” أخطر ما يهدد وحدة النسيج الاجتماعي المغربي على مر التاريخ وهو أكثر وثر لعب عليه الاحتلال الفرنسي سابقا من خلال سياسة “فرق تسد” والظهير البربري.

في مغربنا المعاصر يتأسف الإنسان أن يرى سلوكيات سلبية نحو الأمازيغ  من منطلق سمو العرق العربي، كما يشتكي الكثير ممن لا يتكلمون الأمازيغية والذين جعلتهم ظروف العمل ولقمة العيش يسكنون مناطق ذات كثافة سكانية أمازيغية من تعامل عنصري لأنهم “إعرابن” وتعمل حركات وجمعيات أمازيغية ناشطة في أوروبا على تقوية هذه النعرات من خلال حديثها عن تصفية الاستعمار العربي في “تامزغا” والذي ليس إلا محاولة أوروبية للضغط على المغرب من خلال التهديد بوضعه ضمن مخططات التقسيم والتفكيك التي يعاني منها العالم الإسلامي اليوم.

الإشارة إلى الإسلام تنقلنا إلى المستوى الثالث من هذا التحليل وهو المستوى الديني إذ نرى من الجدير تسليط الضوء خصوصا على فئة ضمن الطبقة الكادحة تسمى فكاهة “الإخوان المدمنون” ويقصد بها الأشخاص الذين لا يمارسون الشعائر الدينية ويتعاطون مختلف أنواع الكحول، مخدرات والقمار… لكنهم يتبنون مواقفا وخطابا مساندا ومتعاطفا مع الجماعات الدينية الأصولية ومشروعها الاجتماعي ويمكن تفسير هذا التوجه بعامل خارجي وهو الهجوم الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على الكثير من الدول المسلمة والعمل على تفكيكها، يضاف إليه استمرار احتلال الكيان الصهيوني لفلسطين ودول عربية أخرى (جنوب لبنان، الجولان السوري…)

إضافة إلى العوامل الداخلية ومنها الفقر المدقع والإقصاء من خيرات الاقتصاد في مجتمعات رأسمالية تعرف في نفس الوقت انتشارا واسعا للملاهي الباذخة وأشكال الغنى الفاحش إذ يسود الاعتقاد وسط هذه الفئات أنهم “مدمنون” لنسيان الظلم وأنهم “ضحايا” لمن يستفدن من تجارة الإدمان (شركات التبغ، الكحول، القمار، مافيا المخدرات….).

إن الجيوش الاحتياطية للجماعات الأصولية في المجتمع المغربي تضم أيضا العديد من “الإخوان المدمنين” الذين يقضون الأيام في المقاهي الشعبية في تدخين “الكيف” والحشيش… انتظارا لإقامة الخلافة العادلة.

ومن تم تشكل ازدواجية الشخصية الاجتماعية المغربية بمستوياتها الثلاث خطرا على النسيج الاجتماعي المغربي لا يمكن التخلص منه إلا بتقديم حلول جذرية لأسباب وجودها والسعي لإيجاد تصالح اجتماعي يزيل أسباب الإحساس بالظلم والإقصاء الاجتماعي.

 أليس هذا وأشياء أخرى تستدعينا أن نسائل واقعنا الحزبي والنقابي والاجتماعي؟ وإلى أين نتجه؟ ومتى يصبح العقل الفعال محركا لنا؟ ونتخلص من هذه الازدواجية المقيتة؟ في مقابل ذلك نتبنى معادلة القول الصادق والفعل الخالص للمجتمع؟

هيئة التحرير
المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: