- للإشهار -
الأربعاء, أبريل 14, 2021
مدونات الأحداث

تأملات في الحياة: إرضاء الناس همِّ… والهـمّ وسواس خناس؟

الأحداث نيت✍ محمد عبيد

يجمع الكل على أن سلوك إرضاء الناس واجب ورسالة نبيلة، لكن إن تجاوز هذا السلوك الى حد خداعهم وتزوير الحلول لهم يفضي الى هلاك وينم عن قلة ضمير.
كثيرون هم اناس بيننا يريدون الحل الآن، وأحياناً يعشقون من يكذب عليهم بوعود زائفة أكبر من المسؤول الذي يواجههم بالحقيقة كما هي!..إنها ازمة مجتمع.
يقول المثل الشعبي الدارج (رضينا بالهمِّ، والهـمّ ما رضى فينا)؟ هذا المثل يُلخّص ببساطة وبلاغة آثار عدم شعور البعض منا بأنه يستحق الأفضل، مما يدفعه للرضا بالأقل، فتكون النتيجة أن لا يرضى به هذا القليل الذي قبل به.
إنه في كثير من الأحوال التي يرضى فيها الانسان بأقلّ مما يستحق، أي يرضى بالهمّ ، على حد تعبير المثل الشعبي، سيفاجَأ بأن ذلك القليل ذاته لم يرضَ به، فكأن الهمَّ إياه لم يقبل به ، رغم أنه قبله وهو أقلُّ مما تستحق، وتلك مفارقة كما نرى عجيبة، لكن يبدو أنها عقوبةٌ (من جنس العمل).
ويقول الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: «رضا الناس غاية لا تدرك، فتحر الخير بجهدك، ولا تبالِ بسخط من يرضيه الباطل».
فالعلاقات الانسانية متنوعة ومتشعبة، وتبقى ابرز واكثر العلاقات المؤثرة في حياة الفرد تلك العلاقة المرتبطة بالصداقة، إذ أن الصداقة في تغريفها، ومفهومها الخاطئ لدى الكثيرين يجعل قول «لا» لأحدهم أمرا غاية في الصعوبة، قبل تحديد ما إذا كان يجب رفض طلب الصديق أم لا؟!..
ينبغي أولاً أن نفرق بين الصديق الحقيقي، وذلك الذي يُعتبر مجرد معرفة شخصية، بين الصديق الذي نقيم معه علاقة متوازنة وندية تقوم على الأخذ والعطاء، وذلك الذي يأخذ ولا يعطي.
إن الصديق الحقيقي هو الذي يهتم بك ويدعمك، ولا يكلفك مالا تطيق، وعموما أنت لا تملك حق اختيار أسرتك، الأب والأم والجد والجدة والأشقاء، لكنك تملك حرية اختيار أصدقائك.
ومع حرص ديننا الجميل على علاقات البشر ببعضهم والأجر في خدمة بعضنا البعض -إن وجدت النية الصافية- لكن حتى في توصية الدين بالوالدين أنت ملزم بالإحسان لهما ومصاحبتهما بالمعروف وطاعتهما بما يتماشى مع الفطرة السليمة ولكنك لست ملزم أبدا بإرضائهم إن كان إرضاؤهم ضرره أكبر من نفعه، نحن ملزمون بالبر والإحسان والمبادرة الطيبة حتى لو كان ما نفعله بلا دافع الحب لكننا نفعله برضا وسعادة لأن بداخلنا دافع أكبر منه ألا وهو إرضاء الخالق عز وجل، الذي لا أحد يستحق إرضاؤه إلا هو، هذا مع والدينا الذين نحبهم أكثر من أرواحنا، فكيف هو الحال في إرضاء من هو أساسا ليس من دائرة أرحامنا ويعتبر أن إرضاءه إلزاما.
أما في جانب العلاقات مع اطراف مجتمعية خاصة منها المنتظمة فهناك أزمة مجتمعات اليوم، ومعضلة النخبة في عالمنا أنهم يريدون الحل الآن، الآن وليس غداً، وأحياناً يعشقون من يكذب عليهم بوعود زائفة أكبر من المسؤول الذي يواجههم بالحقيقة كما هي!..
الأخطر من نفاق الناس للحكام والسلاطين والزعماء، هو نفاق الساسة وأصحاب القرار، أي أن يقولوا لهم ما يريدون، بصرف النظر عن صحة ذلك.
فلا يمكن أن تكون السلطة، أي سلطة، عمياء صماء عن صراخ الناس ومطالبهم المشروعة، لكنها في الوقت ذاته يجب ألا تنفذ سياسة «ما يطلبه المتظاهرون».
دائماً الحل طويل الأمد يزعج، والرؤية الاستراتيجية المكلفة متعبة، والوجع الحالي أكثر إيلاماً من تصدير المشكلة لعقود آجلة.
لا يوجد جيل مستعد لأن يضحي من أجل جيل يأتي من بعده تحت شعار: «لماذا أدفع أنا الثمن؟، أنا أريد حقي الآن وفوراً، ولا أريد أن أنزف حتى يشفى غيري من بعدي».
قالت الدكتورة و الباحثة سوزان نيومان (وهي اختصاصية أميركية في علم النفس الاجتماعي مهتمة بالشؤون الأسرية) حول العلاقات الانسانية وارضاء الناس: إذا وجدت الطرف الآخر الذي أسديت له المعروف مندهشاً أو يغدق عليك عدداً مهولاً من عبارات الاستحسان والشكر، فاعلم حينئذ أنك قد ألزمت نفسك بشيء لم تكن تريده، والحقيقة انك إذا أتعبت نفسك اكثر من اللازم، فإنك تخاطر بارتكاب الكثير من الأخطاء أو تنفيذ المهام المُوكلة إليك بشكل غير مميز، من الجيد أن تتحلى بالفضائل الاجتماعية وأن تساعد من حولك وتقف إلى جانبهم، ولكن قول لا عند الضرورة يحافظ على نشاطك، ويساعدك على تجنب استنفاد كل طاقتك الاجتماعية، إن عمل أشياء أقل للآخرين يخلق وقت فراغ أكبر يجعلك صديقا أو صديقة- أما أو أبا- زوجا أو زوجة– موظفة أو موظفا- أفضل مما تتخيل، لأنك حينها ستكون أكثر قدرة على التركيز على ما تختار فعله بدلا من اللهاث من واجب إلى واجب، ومن التزام إلى التزام، إن التطوع وبذل الوعود يقع تحت فئة قول نعم أيضا، فربما لا تقول كلمة «نعم» كثيرا، ولكنك تورط نفسك في التزامات بنفس القدر.
وإذا حدث وأردنا أن نرضي الناس فلنتفحّص بداية هؤلاء الناس ونفسياتهم وعقلياتهم ومكانتنا في قلوبهم وحفظهم لنا في غيابنا قبل حضورنا، ووجودهم إلى جانبنا في المواقف الصعبة في الحياة التي تحتاج لأصحاب المبادئ والقيم وليس لأصحاب المصالح والذمَم، عندها سنعرف النخبة التي تستحق الحفاظ عليها، وسنعلم عندها أن من أمامنا يستحق أن نضعه ضمن من نسعد لإسعاده وليس فقط لإرضائه، فأن تُسعد شخصا فهذا يرقى إلى أعلى من أن ترضيه لأنك تشعر معه بالحب والأمان والسعادة والطمأنينة التي ستكون محركك ودافعك الرئيسي للحرص على كل شيء جميل قد تقدمه له وهؤلاء الناس نقول فيهم: إسعاد الأحبة سعادة نهديها لأنفسنا في المقام الأول، وعليه تصبح واجبة لما تتركه من أجمل الأثر في نفوسنا وما حولها.
كم من حياة لم نحياها إرضاء لهؤلاء الناس، وكم من حياة لن نحياها ما دمنا في صراع مع أنفسنا لإرضاء الناس أيضا، إرضاء الناس لا ينبغي أن يكون غاية من الأساس ما دامت هذه الغاية لن توصلنا لشيء سوى الصراع مع الذات والزمن لنكون بمقاييس ومعايير فرضوها علينا ونحن قبلناها بإرادتنا، هي كالمشي في طريق بغير هدى فلا يزيدنا الإقدام فيه إلا ضياع فوق الضياع.
وإذ اثير هذا الموضوع، لابد من لفت الانتباه إلى أني وبحسب تجارب وقضايا ومواقف معاشة، لم ادرك هذه المواقف والسلوكات إلا بعد أن انقضى من العمر جله، ولم يبق فيه الا أقله واقفا على يؤشر عليه وضعي الصحي الذي استدار وانحنى نحو الانحدار…. وإن كانت قيمة الشعور بالاستحقاق والوعي جاءت متأخرة…
واكتفي بقراءة سور “الإخلاص” و”المعودتين”.. وحفظني وحفظكم الله، رب الناس، من الوسواس الخناس..

اترك تعليقا

هيئة التحرير
المؤسسة الإعلامية NGH AHDAT SARL AU
error: