الأحداث المحلية

تحقيق : المحطة الحرارية العاملة بـ “الشاربون”.. طاقة مسمومة تهدد حياة ساكنة اسفي وتُغْني شركة صافييك

مدينة تحتضر وساكنة تختنق….
لم يشفع لمدينة آسفي قربها من منطقة الجرف الأصفر التي تحتضن أكبر محطة للطاقة تشتغل بالشاربون، ولا الشركات الكيماوية الواقعة فوق ترابها، فغدا اسمها مرتبطا بالتلوث بعد أن ارتبط عبر التاريخ بالفخار والسمك، هذه المدينة الساحلية ذات الماضي العريق، أضحت مخنوقة لا تكاد تستنشق هواء نقيا بين شوارعها، وطوقتها أدخنة الكيماويات، وكأنها مدينة مغضوب عليها .
الحاجة إلى إنشاء محطات حرارية….
يشكل الإنتاج الطاقي واحدا من بين أهم تحديات المغرب اليوم، هذا التحدي قاده نحو التفكير في استراتيجية الإنتاج الذاتي والاستغناء عن استيراد الطاقة من الخارج، وَلِمَ لا تصديرها بعد تحقق الاكتفاء. فانطلق في بناء مشاريع طاقية منذ تسعينيات القرن الماضي، فأنشأ أول محطة حرارية لإنتاج الطاقة تشتغل بالفحم الحجري، لتزداد شهية الدولة لإنتاج مزيد من الطاقة فأنشأت مشاريع مماثلة من بينها محطة آسفي وهي كبرى المحطات الحرارية بالمغرب، الواقعة على أرض منطقة ولاد سلمان التي تضم 17 ألف نسمة.
مشروع المحطة الحرارية باسفي بلغت كلفة إنشائه 26 مليار درهم، ممولة من طرف البنك الياباني للتعاون الدولي والبنك الإسلامي للتنمية، والتجاري وفا بنك، والبنك الشعبي، و تحتضنه شركة تحمل اسم “صافييك” تجمع ثلاث شركات، وهي “جي دي إف سويز” الفرنسية بنسبة 35% وشركة “ناريفا” التابعة لمجموعة “سينيا” (الهولدينغ الملكي) بنسبة 35%، ثم شركة “ميتسوي” اليابانية بنسبة 30%. حيث وقعت “صافييك” عقد بيع للكهرباء مع الدولة ممثلة في المكتب الوطني المغربي للكهرباء مدته 30 سنة، و تتطلع الدولة من خلال هاته المحطة الحرارية إلى إنتاج 1320 ميغاوات، وستستورد حوالي 9 مليون طن من الفحم لتلبية حاجياتها، وهو ما يبين أن الدولة تعوّل بشكل كبير على الفحم لإنتاج الكهرباء مستقبلا.
غير أن ما يدفع للاستفهام هو أن المغرب التزم في الملتقى الدولي للمناخ الذي احتضنه سنة 2016 بمراكش باحترام البيئة وإنجاز مشاريع تحد من نسبة الانبعاثات المضرة بها، ورغم ذلك مضى في عقد شراكات مع شركات أجنبية لإنشاء هذه المحطات التي تشتغل بالشاربون نظرا لتكلفته الرخيصة، خارقا الاتفاقيات الدولية التي تعهد بها أمام الأمم المتحدة وأكثر من 180 دولة عبر العالم.

الفحم… الخطر القادم من مولد الطاقة….

تشتغل المحطات الحرارية باندفاع البخار حيث تتم العملية عبر تسخين المياه وتحويلها إلى بخار مضغوط، يُوجَّهُ هذا البخار في ضغط عال إلى تدوير توربين بخاري موصول بمولد كهربائي، وعند خروج البخار من التوربين يتم تكثيفه في مكثف حراري ويعاد تدويره مرة أخرى إلى الغلاية البخارية لتسخينه من جديد، فتستغلُّ الحرارة لتوليد طاقة حركية بواسطةِ آلةٍ تدور، وتتصل تلك الآلة بمولد كهربائي، وهنا تتم عملية تحويل للطاقة.
أما الفحم، المادة الأساسية للمحطة الحرارية، فهو صخر أسود اللون قابل للاحتراق، يستخرج من باطن الأرض، وهو شكل من أشكال الوقود الأحفوريّ، يتكوّن بشكلٍ أساسي من عنصر الكربون وخليط من العناصر الأخرى بكمياتٍ ضئيلةٍ مثل الهيدروجين، والكبريت، والأكسجين، والنيتروجين. ويعتبر من أكثر المصادر تدميراً للطبيعة وتسبباً للتلوث وتهديداً لحياة الإنسان، كما أن استنشاق غبار الفحم المحترق تضر بالرئتين، لأنه يحتوي على مواد مشعّة، ومواد ضارة مثل السيليكا، والزئبق ويتسبب في عدد من الأمراض على مستوى الجلد، إضافة إلى الصداع والتهابات الحنجرة والعيون والأنف والكبد والكلى وسرطان الرئة وفقر الدم واضطرابات في الجهاز العصبي والذهول، وكذلك يسبب مرض السيليكوز.
كما أن خطر الفحم الحجري لا يتوقف عند احتراقه بل إن عمليّة نقله من مكانٍ لآخر لاستخدامه وعمليات تجفيفه وطحنه وتفتيته كلّها تؤدي إلى تطاير الذرات في الجو وبالتالي تشكل خطرا على البيئة والناس.

المواطن الخاسر الأكبر….الأبناك و الشركات الطرف الرابح….
وأمام كل هذه المعطيات يتضح جلياً أن الدولة لا تحمل أي استراتيجية فعلية لإنتاج طاقة نظيفة تمنح المواطن كهرباء لا تؤذيه سواء على مستوى الصحة أو الجيب، فما يهمهما هو إظهار اهتمامها وثقافتها البيئية للغرب أكثر من اهتمامها بمصلحة المواطن، فهناك لوبيات تتحكم في هذا القطاع وتفكر في عائداته المالية الكبيرة دون أن تفكر في المخاطر التي تحذق بالمغاربة بسبب هذه المشاريع، ليخلص إلى أن أي مشروع يراد إنشاؤه يجب أن تحترم فيه رأي المواطن في المنطقة التي يعيش فيها، كما أن هذه المحطات الحرارية تؤثر بالسلب على أفق إنجاز مشاريع سياحية وسكنية (باي باي الصويرية القديمة).