الأحداث المحلية

في ضیافة شهرزاد حاضرة المحیط

جريدة الأحداث الإلكترونية/بقلم الأستاذ الباحث محمد زين/

یحتفي المشهد الأدبي لحاضرة المحیط بمنجز سردي راٸق للمبدعة خدیجة ستفان ، و في محاولة للوقوف علی جملة من الإلماعات التي انتحتها الأدیبة ضمن مجموعتها القصصیة ، نحاول من خلال هذه القراءة کشف جمالیات حضور هذا النفس الحکاٸي الطیب .

یحضر العنوان في طلیعة العتبات ” جراحات راقصة“ ، عبارة عن محمولین اسمیین ، أولهما جمع مؤنث سالم لجرح، وهو في اللغة يلتئم حول معان عدة من قبيل إحداث شق غائر، تقويم وإصلاح مشوه ، تغطية آثار جروح ، لنا الآن أن نتساءل من تسبب في هذا الاجتراح ؟ من ارتكب جرما ؟ من وقع عليه فعل فاعل الذنب ؟ ثانيهما كلمة ”راقصة“ تحمل دلالات لغوية من مثل : الاستشزار : أي الارتفاع والانخفاض ، اهتزاز وتحريك .
نجمل القول حول ارتباط المحمولين في معرض و صورة أشبه ب : انتفاضة الديك المذبوح !! و بالتالي نقترح علی سبیل المثال عنوانین یمکن إلی حد ما أن یلاٸما الاختیارات النصیة للمبدعة : حجج ” بضم الحاء و الجیمین “ مسبورة ، أو حجج راقصة .
لكل كاتب دوافع لا تخرج عن إطار الآلام الانسانية ، هي التي حركت المبدعة خديجة ستفان للبوح من خلال تعدد الأجناس الأدبية من نثر ، شعر ، زجل ، حكاية من أجل التعبير عما يختلج كمون ودخائل نفسها .
اتخذت تيمة كبرى واضحة :” تيمة المرأة“ ، العانس ، المومس ،المهمشة ، من خلال معاناتها ، نضالها ، تمردها وصراعها ، و في إشارة ذكية للناقد المغربي الأستاذ الكبير الداديسي الذي يرى أنها أغفلت ”المرأة المثقفة“ .
كل قصة داخل المجموعة تثوي جرحا ورقصة خاصة به، و ثالثة الأثافي تقدمها على لسان حال شوبان : ” إن الإنسان لا يموت دفعة واحدة ، كلما قتل حلم من أحلامنا مات جزء “.
قبل المضي، وبعجل لسبر أغوار القصة الثالثة المعنونة ب : (لعبة العروس )، يجدر بن أن نذكر أهم خصيصة ، كانت ركزا أساسا طبع بصمات جمیع نصوصها السردية ، حيث ارتكنت إلى استخدام ثنائيات ، تنهل من التيمة الكبرى المحددة آنفا ، وتأخذ إطارا داخل الصورة /اللوحة التي شکلتها ، وهي الخير و الشر ، المعنى القريب و المعنى البعيد ، الجانب المفارق الخيالي و الجانب العادي الواقعي ، إلا أن اللافت للنظر هو جانبي ،” المعنى والمغزى“ اللذین يختزلان عمق هذا الاطار .
وجدت المبدعة من خلال النسق السردي ، وعاء مناسبا لإبراز مكامن الاضطهاد ، في محاورة لذوات متفجعة ، مترنحة ، كما عملت على تعرية نتوءات وندوب ما اقترفه هول الزمن من وحشية ، اعتداء واغتراب إنساني ، جاعلة المتلقي يراوح مكانه قسرا وسط هذه الصورة المر بكة. جرح الرقصة الثالثة يشكل فظاعة الوهم الجميل ، الأمل والألم اللعينين ، حين نقرأ القصة لا نرتاب جمع الضد الى ضده مع احتراز الوقوع في التناقض ، المبدعة تخاطب فينا بواعث الرحمة اتجاه (فاطمة) ، و تدع جانبا نوازع الشر (الواقع ) .
تنطلق الحكاية من بناء عالم وفق تصورات إنسانية تتمظهر في شكل (عرس) ، هذا الواقع الاجتماعي ، لانبحث بالضرورة عن خلفياته ، بقدر ما نستجلي فادح عمق الخطاب المبطن لروح القصة بأكملها ، النص تقليدي ، إطاره ثابت ، منتظم الأحداث ، مقدماته تؤول لنتائجه ، بشكل لا يدع مجالا لاحتمالات أخرى ،نجد ذلك في أول جملة :
فجأة .. توقفت ..خفت ..انطفأت ..هول الموت .
هناك شخصيتين محوريتين، تشكلان نقطتا ائتلاف خيوط الأحداث وهما مرتبتان حسب الظهور:
المختار : رجل في الأربعينيات من عمره يحمل وقرا (بكسر الواو و تسكين القاف ) لا وقارا ،منحته الكاتبة سمات جسدية ، من ضعف ، وهن ، سمات شكلية الفقر ، اليأس ، وبالتالي فهو رجل أنهكه الزمن ، رغم إقباله على الزواج . هذا الاختيار لشخصية واسم لا يدل على مسمى ، حاله كالفراشة المهووسة بضوء القنديل!! .
فاطمة : لم تتم بعد ربيعها الخامس عشر، انحصر وجودها بالفعل من خلال حضور سمات وجدانية ،من فرح بمنظر عرس لا يوجد له أثر أو عثير ،سوى في مخيلة اللعب ،تبتسم حينا و تشرد مرات عديدة ، مع توالي الأحداث تدرك أنها ليست قبالة لعبة ، تذرف دمعا ساخنا ، عيناها مغر ورقتين حزنا ،كان طوق خلاصها ،نتیجة هلعها لیلة الدخلة ، أن تغرس خنجرا في صدر المختار .
إنه القدر العابث الّذي اختار لفاطمة ، فطامين أحدهما طبيعي، و الآخر ”وحشي “. تشير الساردة للزمن النفسي في عبارة كافية شافية درجت بالشكل التالي : (مر اليوم ببطىء) .
من البين أن الرسالة المراد توصيلها ،هي الدفع بالمتلقي للتشريح ، الفهم و تأويل عالم الصور المربكة ، إن اختيار المبدعة خديجة ستفان الكتابة السردية ، ناجم عن وعي بحقيقة الفهم العميق لوثيرة تحولات الحياة المتسارعة و سيولة اللحظات العابرة ، نجحت في الاختيارات النصية عن قصد و كشف للدوال التي تبث حركية الصياغة المعرفية للأسئلة الجوهرية ، كان للمبدعة نصيب هام من السداد لحظة إخراج تصوراتها من الواقعية التقريرية إلى مستويات جمالية ، ما اعتبرناه حقيقة تليين اللغة السردية .
هذا النفس الحكائي الطيب يضارع الأديبة المغربية فاطمة المرنيسي و ينبئ بمستقبل واعد لشهرزاد حاضرة المحيط الأديبة المائزة خديجة ستفان.