مدونات الأحداث

تهديد داعش للمغرب: جدية الامتحان الأمني وسؤال الارتباط بالوطن

جريدة الأحداث الإلكترونية / بقلم الدكتور أحمد الدرداري 

11692987_938559712878208_2642430_n

من خلال الأحداث الإرهابية الاخيرة التي وقعت في تونس والكويت وفرنسا، يبدو الوضع الاقليمي اليوم مقلقا بسبب هشاشة البنية الأمنية في كثير من الدول العربية بسبب روتينية العمل الأمني وانشار الأسلحة والمواد الخطيرة لدى تنظيمات غير قانونية وإغفال الثغرات الأمنية والدراية غير المحكمة للسلوكات الاجرامية التي تعتمد على احتساب معادلات الاحتمالات والنسبية التي تلقى أساسها ومساحتها الكافية في نقائص الوظائف الأمنية الكلاسيكية للدول، مما يسهل اختراق النظم الأمنية أو القيام بأعمال تخريبية وإرهابية بعيدة عن أنظار الاجهزة الأمنية ودون رصدها في الوقت والمكان المناسبين، وهذا يطرح سؤال الدولة من جديد وقدرتها على الحفاظ على المستوى الأمني من خلال رافدين أساسيين الأول ويكمن في العقل الأمني والثاني يكمن في عقل المواطن ومكانة الوطن بينهما، وكلاهما مكملين لبعضهما البعض للحفاظ على وطن لا يعوض. وفي هذا الباب تطرح صيغ أمنية جديدة مكملة، للصيغ الامنية الاستراتيجية التي اشرنا لها في مقال سابق، والتي لا يمكن إغفالها لإنجاح عملية الحماية من الخطر الارهابي ذي الدلالات المختلفة والاثر العميق، ويتعلق الامر بالصيغ الامنية الداخلية المحكمة والواسعة والمتشعبة والتي تعتمد ترتيبات دقيقة ويقظة غير مسبوقة مشتركة بين كل الفعاليات الأمنية والمواطن، ويتعلق الأمر بإعلان مواجهة الارهاب بامتحان موت أو حياة الوطن الذي يحيى فيه الجميع، وقد يتطلب الأمر تعبئة بعض الامكانيات المادية لجميع المواطنين المتعاونين وتتويج كل من يدل على ارهابي بشكل مضبوط، لكون العمليات الارهابية ليست الا امكانيات مادية معززة بالوعد الخرافي وتزيين الاعمال التخريبية باعتبارها خلاصا مما يحس به المجرمين من معاناة…الخ، وعليه فانه ينبغي تدارك الثغرات الأمنية كنقاط الخلل وذلك كما يلي:

1 – عودة المهاجرين المغاربة وتوحيد عمليات التفتيش عند النقط الحدودية للضرورة الأمنية رغم روتينيتها، ذلك أن كل عملية إغفال قد تعود بالسلب على الجميع ، إذا تمكن شخص من إدخال مواد خطيرة تستعمل في العمل الاجرامي، وأيضا وضع قائمة بالمواد الممنوع إدخالها للمغرب حتى وإن كانت لها علاقة غير مباشرة بالعمليات والتفجيرات، لتفادي أية مغامرة بدعوى الجهل بالمعرفة المسبقة، وأيضا توحيد ضوابط المعابر وتقليص عددها لإحكام السيطرة عليها، وتفادي كل عمل مهني باعتماد العلاقات المشبوهة أو المعرفة المسبقة لرجال الأمن و الجمارك بالمواطنين عند المعابر لان قليل من الاهمال أو الطمع يسهل من محاولات إدخال المواد الممنوعة والأشخاص المشبوهة، ومراقبة المراقبين في هذا الباب مسألة ينبغي أن تكون سرية وغير معلومة ولا معلنة.

2 – اعتماد المسح الأمني على المستوى الوطني الأفقي مسألة مهمة وقد تكشف عن بعض العيوب والأشخاص في ارتباط بالفكر الارهابي والتطرف الديني والتركيز على الحزام الجنوبي والشرقي للمغرب بالإضافة للمعابر والمطارات والموانئ لاسيما ميناء البيضاء كمسألة مهمة، بالإضافة الى الاهتمام بالمرافق والمنشآت العامة من أسواق بكل أنواعها ومحطات طرقية وسككية ومواسم ومؤسسات عمومية وأماكن تواجد أكبر عدد من الناس كالمساجد والشواطئ والجامعات وتعميم آلات السكانير والكاميرات لضمان قدر معين من المراقبة وضبط المعلومات.

3 – إعادة النظر في العلاقات التجارية مع بعض الدول والتي تعتبر رافدا أساسيا للتواصل الثقافي مع مختلف الاجناس ووضع قائمة للتجار المغاربة الذين يتنقلون باسم حرية التنقل وعولمة التجارة بين مختلف الدول، فمنهم من يرتبط بأشخاص أعداء للوطن أو تنظيمات قد تسخر الأموال من أجل تمويل الالتحاق بالإرهاب باسم الجهاد وإثارة الفتن في دول والتقتيل لبني البشر الذين يشتركون معهم في الدين أو لا يشتركون في ذلك ولا في الارض ولا في الإرث ولا في الجغرافية ولا في التاريخ …الخ، وعملية مراقبة السلع والتجار وعلاقاتهم رافد من الاعمال الأمنية  4 – تأمين وتقنين التعاطي للعالم الافتراضي كعمل استباقي مهم وهو تعقيم للفكر الاجرامي الذي ينتشر بسرعة و استغلال سيئ لحرية التعبير والتواصل والانتماء بدعوى العلاقات الخاصة وحرية اعتناق الأفكار وتحويل الفهم الايجابي الى وسخ منبوذ، و ما يمكن ان يوضع في العالم الافتراضي من خطط واعمال وتحويلات مالية وتأطير وتحريض وتوجيه وطلب فعل وأمر بتنفيذ والقيام بإجراءات ومد يد العون وتسهيل للمهام …الخ، مما يجعل من الانترنيت مصدر أذى بما في ذلك التسويق الذي تقوم به الشبكة العنكبوتية للأعمال الارهابية التي لم تعد سوى لقطات ألفها المشاهدين في خيال المخرج السينمائي ولا أثر لها في نفسية الاشخاص من حيث الواقع الا عند القليل.

5 – أمن الروافد الثقافة والسياسية والادارية الوطنية وتضييق الهوة بين مكونات الحقل السياسي والاداري من أحزاب ونقابات وجمعيات ومنظمات وإدارات ووضع ميثاق أخلاقي وطني كفيل بتحميل كل من زاويته لمسؤوليته، وتفادي إعطاء العدو فرصة النيل من المغرب بسبب الفرقة او الصراع وتخلي كل عن واجبه اتجاه الوطن وتضييع الامانة في عقر الدار وسلب رأسمال الوحدة والاستقرار من الجميع ، لاسيما وأن المغرب قطع شوطا مهما في التصالح مع التاريخ وأن الحسم اليوم للتعدد والخيار الديمقراطي الذي يضمن للجميع الحق على قدر أداءه لواجبه. 6- أمن الإصلاح و التصالح مع المفهوم والذات والواقع، بحكم ان المغرب بلد الأصول والتاريخ الغني بالزخم الديني والثقافي والحضاري مما جعل منه بلد التقاء وحوار الحضارات ، وإن كان فهم التاريخ يبقى نسبيا و غير عادل     بالنسبة للبعض، إلا أن القاعدة العامة تدل على أن المجتمع المغربي استمر واستنهض وجوده بعراقة ثقافته وتقاليده ونظامه ومذهبه الديني الوسطي والمعتدل، ومحاربته للتطرف عبر 12 قرنا، مما زاده إشعاعا بين الأمم، لكن اليوم يمكن القول أن كل مكونات المجتمع تنشط في جزء منها بمنأى عن الضوابط الخلوقة للإدارة والحزب والنقابة والجمعية وغيرها بما يسمح بالقول بأن المفاهيم اتسعت بنسبيتها وتغلبت الذاتية والمصلحة الشخصية على الفهم الموضوعي والمصلحة العامة في جوانب عدة من الحياة العامة، مما يصعب معه معرفة الصالح والمصلح أحيانا، وهذا يتطلب العمل على المرحلة الحالية من حياة المغرب بإنقاذ ثروته الغير مادية وتأمين المفاهيم الوطنية التي تشد لجاذبية الوطن وتجنب الاجتهاد والارتجال الغير محسوب العواقب أو اللامبالات في ادارة المؤسسات بجميع مستوياتها، وتجنب خدمة أجندة خاصة وضرب الجهة المعارضة او العكس وخلق نعرات لتضليل الوضع ، فتأمين وإعادة توطين المفاهيم والاعتماد على النقد الذاتي لتحديد الاصلاح والعمل، وقياس الضرر والمنفعة، كسبيل لاستكمال مسلسل المغرب الصاعد.

7- تأمين إدراج المواطن في منظومة الأمن بما يحافظ على حياته وممتلكاته وحرياته وجعله مشاركا في الرهان الأمني الوطني ضد كل المخاطر، والتأهب لأي عمل إجرامي والتبليغ عن أي شك راوضه، واطلاق حملة تحسيسية وطنية لتوصيف الخطر وتوضيح كيفية التبليغ في الزمن والمكان المناسبين وكيفية التصدي للإجرام في مراحل معينة وجعل المراقبة لدى المواطن جزء من منظومة حياته وأمن البلاد باعتبار ذلك واجب دستوري والتخلي عن الواجب خيانة وطن.

8- تأسيس للإعلام الأمني وتخصيص جزء من الإعلام للسياسة الأمنية باعتباره آلية تنبيه وتتبع وفضح ومراقبة، وربط كاميرات المراقبة الحدودية والعمومية والصحافة المهتمة بالتخصصات منها الإعلام الأمني الواسع التواجد، ذلك أن الاعلاميين هم أنفسهم مستهدفين من قبل المتطرفين والارهابيين، الذين يستغلون الإعلام المعاكس لترويج الفكر التخريبي الذي يمس بمواطنين لا يهتمون لأمرهم حتى تحل بهم الواقعة، إضافة الى استنهاض باقي المكونات المجتمعية، بما فيها التي قد تكون مؤيدة للإجرام أو صامتة بنية التأييد للتغيير بطرق غير ديمقراطية.

9- تأمين رأي المكونات الدينية المغربية والافصاح صراحة عن رفض التهديدات التي تتكرر ضد الوطن والجزم بأن إسلام المغرب ليس إرهابيا ولا علاقة له بقتل الارواح، وأن الخلافات الدينية في المغرب لا تصل إلى مستوى خلق الارهاب والتخريب والتقتيل للأبرياء، ونبذ كل عمل تخريبي باسم الدين أو غير الدين الذي يترتب عنه قتل الانسان عبر العالم من مسلمين ومسيحيين ويهود وغيرهم.

10 – البحث الأمني في التوقعات الاجرامية الممكنة للتقليل من الفرضيات المحتملة، لكون الفعل الاجرامي هو سلوك محدود بوقع مخيف ومميت ومخرب للمنشآت والأبرياء ..الخ، وبالنسبة لمنهجية العمل ووسائل العمل تتطلب تعبئة كل الامكانيات للبرهنة على القدرات الأمنية المغربية الملكية السند والجوهر، وتدبير يقظة الطاقات التي تجعل البلاد تصمد وسط الإعصار والمتغيرات الكونية. يظل الرهان هو الوطن الآمن وحياة المواطنين التي ليس لها ثمن، والحرية التي توقع الانسان في الجريمة أو يتم اغتصابها ويعتدى عليها تزيد من صعوبة فهم الإنسان، حيث أنزل آدم من الجنة بسبب أكله لتفاحة، فهل بقتل وذبح ابناءه لبعضهم البعض سيعيدهم للجنة التي استعصي البقاء فيها لمجرد القيام بهذا الفعل المنهي عنه؟ كما أن الخطر الإرهابي الجدي للمغرب يتطلب اليقظة والحذر والتأهب والترصد والتعبئة والعمل البطولي التاريخي والسيادي والقادر على ابراز ما كان وما هو كائن وما سيظل يضرب له الف حساب على المستوى العالمي، وإبطال خطة الكبار ضمن لعبة الشطرنج التي تتحرك بالصغار.

الدكتور أحمد الدرداري :

رئيس وحدة الدراسات الأمنية و الإستراتيجية بالمركز الدولي لتحليل المؤشرات العامة و أستاذ السياسات العمومية بجامعة عبد المالك السعدي كلية المتعددة التخصصات مارتيل